الواجهة

ما هو الدور الذي يلعبه تنظيم البطولات الكبرى؟

 

✍️ ذة. أمان جرعود تكتب:

تشكل البطولات الرياضية الكبرى في العالم أجمع لحظة جماعية تتقاطع فيها العاطفة الشعبية مع السياقات الاجتماعية والسياسية المحيطة. ورغم أن هذه المناسبات توفر متنفسا ضروريا لملايين الأفراد وتخلق فضاء مشتركا للفرح والانتماء، إلا أنها تثير أيضا تساؤلات متزايدة حول الدور الذي تلعبه في تشكيل الوعي الجمعي، واحتمال تحولها إلى آلية هروب أو وسيلة غير مباشرة لحجب المشكلات القائمة.

حسب السوسيولوجيين فإن الانغماس الشعبي في الأحداث الرياضية هو استجابة طبيعية لحاجات نفسية واجتماعية مرتبطة بالتوتر والضغوط اليومية. فالمباراة تخلق زمنا رمزيا منفصلا عن الواقع العادي، يسمح للفرد بتعليق همومه والانخراط في هوية جماعية تمنحه الإحساس بالقوة والاعتبار.
غير أن هذا الانفصال المؤقت قد يتحول، في بعض السياقات، إلى ما يشبه “التنفيس الجماعي” الذي يمتص طاقة الاحتجاج والوعي النقدي، مما يجعل الرياضة تؤدي وظيفة مزدوجة: الترفيه من جهة، وتخفيض الحساسية تجاه المشكلات الحقيقية من جهة أخرى.

وقد تظهر البطولات الرياضية في بعض الأحيان كأداة لإعادة ترتيب الأولويات في المجال الرمزي للمجتمع. إذ يمكن أن تنزاح قضايا مركزية، مثل تدهور الخدمات أو الأزمات الاقتصادية أو الاحتقان السياسي، لصالح الاهتمام المتصاعد بنتائج المباريات وأخبار المنتخبات. هذا التحول لا يُعد أمرا مقصودا دائما، لكنه يصبح واقعا ملموسا عندما يُستثمر الزخم الرياضي لإشباع حاجة الجمهور إلى الأمل، بدل أن يُستثمر الوعي الجمعي في مواجهة القضايا البنيوية.

طبعا، هذا لا يعني إدانة الرياضة أو التشكيك في قيمتها الثقافية. بل يهدف إلى التفكير في كيفية تحويل هذه المناسبات إلى فرصة لتعزيز الوعي بدل تعطيله. فالرياضة، بما لها من قدرة على تعبئة المشاعر وتوحيد الناس، يمكن أن تكون مدخلا لنقاشات أوسع حول معنى الانتماء، وحدود الواقع، والحاجة إلى إصلاحات عميقة في بنية الدولة والمجتمع. الشرط هنا هو الحفاظ على مسافة نقدية تسمح بالاستمتاع بالحدث دون الوقوع في فخ اختزال الواقع في ساحة الملعب.

خلاصة القول، إن حضور البطولات الرياضية في الوجدان المغربي لا يشكل مشكلة في ذاته، بل إن التحدي يكمن في كيفية تعامل الأفراد والإعلام والمؤسسات معها. فالوعي الذي يوازن بين متعة الفرجة وفهم السياق السياسي والاجتماعي هو وحده القادر على منع انزلاق هذه المناسبات نحو دور تبريري أو مهدئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى