24 ساعةأخبار دوليةالواجهةمجرد رأي

ما وراء الصواريخ : هل نعيش مخاض “الشرق الأوسط الوظيفي” الجديد ؟

بقلم : د. عبداللطيف مشرف أستاذ مساعد التاريخ السياسي بجامعة ماردين آرتوكلو

تمر المنطقة اليوم بمنعطفٍ تاريخي لا يمكن اختزاله في مشهدٍ عسكريٍ عابر، بل هو “زلزال جيوسياسي” تتصادم فيه الصفائح التكتونية لمشاريع كبرى تعيد تعريف مفهوم الدولة والحدود والولاء. إن ما نرقبه اليوم من هذه المواجهة المفتوحة يفرض علينا اعتزال “التحليل السطحي” والولوج إلى “مختبر الاستشراف الاستراتيجي” لفهم ماهية القادم.

فلسفة “اللايقين” وسيكولوجيا الإدراك.
إن الحروب في جوهرها هي “حروب اللايقين”؛ فما إن يخرج الرصاص من فوهته حتى تفقد القوى -مهما عظمت تكنولوجيتها- القدرة على التحكم في المسارات النهائية. وفي هذا السياق، تأتي تصريحات “دونالد ترامب” حول اقتراب نهاية الحرب كجزء من عملية “إدارة الإدراك” (Perception Management). إنها حرب نفسية تهدف إلى امتصاص قلق الأسواق العالمية وطمأنة الداخل الأمريكي، بينما الواقع الميداني يشير إلى استنزافٍ متدرج يكسر كبرياء “الردع” الذي طالما تغنت به القوى الإمبيريالية.
وهنا يمكن أن نقرأ تطورات هذه الحرب في عدة اتجاهات كالتالي:
أولًا: الجغرافيا المقدسة وتحدي “الشرق الوظيفي”:
نحن اليوم أمام صراع بين “الجغرافيا الاستراتيجية” التي تبحث عن الممرات والموارد، وبين “الجغرافيا المقدسة” التي تُبعث من بطون الكتب التاريخية والتلمودية. المشروع الصهيو-أمريكي يسعى لاستغلال “فراغ البنية” في المركز الإسلامي لإعادة إنتاج “يهوذا الكبرى” أو “الشام المقدسة”، عبر تفتيت الكتل الصلبة وإشغالها بحروب استنزافٍ داخلية وبينية. إن غياب “المشروع السني الوسطي” الجامع جعل الجغرافيا الإسلامية مرتعاً للمشاريع العابرة للحدود، سواء كانت إمبيريالية غاشمة أو أيديولوجية راديكالية.

ثانيًا: قبرص.. الثغر المنسي في معادلة الردع:
لا يمكن قراء التحشيدات العسكرية في قبرص اليونانية بمعزل عن استهداف الدولة التركية. إن تحويل الجزيرة إلى “حاملة طائرات ثابتة” تحت غطاء دعم العمليات ضد إيران هو في الحقيقة محاولة لقص الأجنحة الإقليمية لأنقرة. ومن هنا، جاء الرد التركي بإرسال مقاتلات F-16 إلى قبرص الشمالية كرسالة حزم استباقية؛ فأنقرة تدرك أن “الهندسة الإقليمية الجديدة” تهدف إلى تحييد القوى الإسلامية الصاعدة لضمان تدفق ممرات بديلة (مثل ممر IMEC الهندي الأوروبي) الذي يسعى لإلغاء الثقل الجيوسياسي لمصر وتركيا.

ثالثًا: رسالة الرئيس أردوغان: العقيدة كمصد استراتيجي:

في ظل محاولات الزج بالمنطقة في آتون فتنة طائفية (سنة/شيعة) لتكون وقوداً لتمرير “صفقات القرن” الجديدة، جاء حديث الرئيس رجب طيب أردوغان عن عمر وعلي وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم كـ “كابح صدمات” حضاري. إن استحضار الرموز الجامعة في لحظة الصراع هو اعتراف بأن “وحدة المصير” هي الدرع الوحيد أمام مشروع “التمدد الحرج” الذي يسعى لتصفية القضية الأم وتدجين العواصم الكبرى.

رابعًا: الرؤية الاستشرافية: ما بعد غبار المعركة
إن الاستشراف التاريخي يؤكد أن القوى التي تتمدد فوق طاقتها الجيوسياسية (Imperial Overstretch) ستواجه حتماً فجوات داخلية وتآكلاً في الشرعية الدولية. المنطقة اليوم أمام سيناريوهين: إما الانزلاق نحو “حرب السبع سنوات” التي تستنزف الجميع، أو ولادة “قطب إقليمي ثالث” يرفض التبعية المطلقة لشرق أو غرب.
إن الأمة التي تمرض ولا تموت مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لصياغة “عقد استراتيجي جديد” يحمي ممراتها المائية، ويصون سيادتها الجغرافية، ويستعيد ذاكرتها الجماعية من براثن “الهندسة الوظيفية” التي يراد لها أن تكون مجرد حارسٍ للمصالح الإمبيريالية.

ختامًا…”إن التاريخ لا يرحم الغافلين، والجغرافيا لا تحمي من لا يملك إرادة الدفاع عنها. نحن لا نحارب بالسلاح فقط، بل نحارب بالوعي الذي يسبق الطلقة.”
المصدر حلقة عن تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط على شاشة القناة التاسعة. شاهدوا الحلقة كاملة عبر الرابط التالي: https://youtu.be/u5Hpft2tNVI?si=jWl159UuxpHTqR1U

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى