مشكلة الثقافة في فكر مالك بن نبي

تقديم:
إن القبر الحقيقي للأموات هو قلوب الأحياء وعقولهم، فحتى لا ننسى مالك بن نبي -رحمه الله- وحتى لا تفوتنا فرصة الاستفادة من تراثه الذي لم يعرف طريقه بعد وبالشكل المطلوب إلى ضميرنا الفردي والجماعي؛ ليزيح عنه ترسبات التخلف والجمود، ويمكنه من الإمساك بمفاتيح الحضارة، نضع بين يدي التقديم لهذه الورقة الأسئلة الآتية:
– كيف عالج مالك بن النبي مشكلة الثقافة؟
– ولماذا ضمن تفكيره الحضاري خص الإشكال الثقافي بكل تلك المشكلة الثقافة في فكر مالك بن نبيأهمية؟
وللإجابة عن هذين السؤالين الكبيرين لابد من الكشف عن مفهوم الثقافة عند مالك بن نبي، ومضاداتها، والعناصر المركبة لها، وكيف عالج ابن نبي هذه العناصر؟ وتصوره لأزمة الثقافة والحرفية فيها، ولعلاقه الثقافة بالعلم والتعليم.
أولا: ما هي الثقافة؟
لا شك أن كلمة “ثقافة” من الألفاظ الحديثة، بحيث لم يكن لها عند علماء اللغة المفهوم الذي ينطبق عليها في عالمنا المعاصر؛ فهي كلمة استعملت في المعاجم العربية بمعنى الفطانة والحذق والإدراك وبمعنى التقويم ومنه رمح مثقف أي مقوم.
أما الثقافة مفهوما فهي ثمرة من ثمار عصر النهضة في القرن 16، عندما شهدت أوروبا مجموعة من الأعمال الإبداعية في الفن والأدب والفكر؛ ونظرا لارتباط الإنسان الأوروبي عموما والفرنسي خصوصا بالأرض والزراعة فقد أطلق على مجموع ثمرات الفكر في ميادين الفن والفلسفة والعلم والقانون والأدب كلمة culture التي تعني الزراعة إطلاقا مجازيا.
ومع القرن 19 الذي عرف تطور علم الاجتماع على يد “أوكست كونت”، تطورت الثقافة من فكرة عفوية موروثة عن عصر النهضة إلى مفهوم اختُلف في تحديده باختلاف الزاوية التي ينظر منها إليه. ورد مالك بن نبي مجموع ما قيل من تفسيرات للثقافة إلى مدرستين:
– المدرسة الغربية: التي ظلت كما قال وفية لتقاليد عصر النهضة، وهي ترى عموما أن الثقافة ثمرة الفكر أي ثمرة الفرد.
– وتقابلها المدرسة الماركسية: التي ترى أن الثقافة في جوهرها ثمرة المجتمع، وبالضبط البنية التحتية من المجتمع المتمثلة في الواقع الاقتصادي المادي.
ثم ذهب مالك النبي إلى أن كل تعريف من التعريفين السابقين يتناسب مع بيئته الثقافية وواقعه الاجتماعي، ولا يمكن أن يتناسب مع الواقع الاجتماعي للبلدان العربية والإسلامية التي تعرف حالة “اللاثقافة” أصلا، ومن ثم تكون مشكلتها الرئيسية في تحقيق الثقافة بصورة عملية وليس في فهم الثقافة.
ليصل بعد ذلك إلى أن الثقافة علاقة تبادلية بين الفرد والمجتمع وتشاركية بين دور الفكرة ودور الشيء. فابن خلدون مثلا استطاع أن يغير نفسه وأن يجدد عالم أفكاره فهل استطاع أن يغير مجتمعه؟ أو يحقق فيه تقدما عقليا وعلميا واجتماعيا في ذلك العصر؟ بالطبع لا؛ وذلك لأن الواقع الاجتماعي لم يكن مؤهلا لاحتضان فكره والبناء عليه.
وقس على ذلك جميع العباقرة الذين سبقوا زمنهم كالشاطبي في المقاصد وابن جني في اللسانيات ومالك بن نبي نفسه في الفكر والحضارة.
إذن لابد في الثقافة من علاقة تبادلية بين الفرد والمجتمع كما قال مالك النبي، أي بين سلوك الفرد وأسلوب حياة المجتمع.
ولابد فيها أيضا من تفاعل بين دور الفكرة ودور الشيء، ويضرب مالك بن نبي مثلا على ذلك:
“تفاحة (نيوتن) الشهيرة، وتخيل ما كان يمكن أن تؤديه لو أنها بدلا من أن تقع على رأس ذلك الرياضي الكبير وقعت على رأس جده الذي عاصر عهد “جيوم الفاتح”؟
إن من المؤكد أنها لم تكن لتخلق فكرة الجاذبية، بل كانت ستكون حينئذ كومة صغيرة من الروث بعد أن يأكلها جد نيوتن بكل بساطة”. -مشكلة الثقافة، ص47-.
ومع ذلك فابن النبي يعترف بالأسبقية لعالم الأفكار على عالم الأشياء، يقول:
“فلا مجال إذن لأن ننكر دور الشيء في خلق الثقافة، ولكن لا يمكن بحال أن نخضع له الفكرة، بل ينبغي أن نعترف لها بأسبقية معينة في هذا المجال، وبقدر ما يصعب علينا ملاحظة هذه الأسبقية في المرحلة الديناميكية في نمو ثقافة معينة وفي حركتها؛ فإنها تكون ظاهرة في المرحلة الإستاتيكية؛ أي في بداية تحريك الذراع والعجلة، عندما تبدأ عملية التثقيف” -مشكلة الثقافة، ص45-
إلا أن فاعلية الفكرة تبقى رهينة كما أشرنا قبل بشروط نفسية واجتماعية تتنوع بتنوع الزمان والمكان والإنسان.
بناء على ذلك، صاغ مالك بن نبي تعريفا خاصا به للثقافة عبر عنه في قوالب لفظية وإن اختلفت في الشكل فقد اتحدت في الجوهر والمضمون، وأرى تعميقا للفكرة التقاط ثلاثة من هذه التعريفات:
يقول في التعريف الأول: “الثقافة نظرية في السلوك أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة، وبهذا يمكن أن يقاس الفرق الضروري بين الثقافة والعلم” – شروط النهضة، ص88-
ويقول: “فالثقافة إذن تتعرف بصورة عملية على أنها (مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لا شعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة)؛ فهي على هذا التعريف: المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته” -مشكلة الثقافة، ص74-
ثم يقول في تعريف آخر للثقافة:
“الثقافة هي أسلوب حياة، الأسلوب المشترك لمجتمع بأكمله من علمائه الى فلاحيه” -مشكلة الثقافة، ص138-
وما دام -كما يقال- بأضدادها تعرف الأشياء، فقد نبه مالك بن نبي على مضادات الثقافة التي ينبغي ممانعتها ومقاومتها، يقول: “ولا ريب أن هنالك مشاريع حقيقية لما هو ضد الثقافة، تولد تحت الأشكال والعناوين كافة، لتجهض بالوسائل المصطنعة أخلاقيا وفكريا البرامج التي ينمو في إطارها هذا الرأسمال ويزداد” -مشكلة الثقافة، ص137- وضرب قبل ذلك أمثلة قائلا: “هناك أفلام، وهناك أسطوانات، وهناك مجلات خلاعية، وهناك كتب التربية الجنسية، وهناك أساليب التخنث والترجل، وهناك مجون نشاهده أمام أبصارنا، وهناك حتى فلسفة اللذة الجنسية كيما تضع الشباب على طريق الفرويدية. وهذه كلها ليست إلا مظاهر منظورة أو غير منظورة لوحش متعدد الأطراف، واسع المدى، قذر، تسمم أنفاسه الملوثة مناخا، تولد فيه القيم الثقافية الأصلية، وتمتد أطرافه تتلوى كالأفعى، لزجة الدبق، تمسك بقوة وتنزلق؛ لتحكم الخناق وتخمد في أعماقنا وفي قلوبنا وفي عبقريتنا وفي روحنا، تلك الثروة الأساسية التي هي المنطلق في تحديد (منهج الثقافة).” -مشكلة الثقافة، ص137-
وأضاف مالك بن نبي إلى هذا الخطر الذي يأتي من الخارج، خطر يأتي من أنفسنا، متمثلا في تحجيم القيم الثقافية الحقيقية، قائلا في الصفحة نفسها: “ينبغي أن ننقي مفهوم الثقافة من التراكم الأدبي، ومن كل أكاديمية، ومن كل إقحام فولكلوري.
وإذا كان لا ريب في أن الفولكلور جزء من الثقافة، فالثقافة ليست فولكلورا يتأنق في قليل أو كثير، بما يناسب ذوق العصر، وخاصة ذوق السائح الذي تستهويه المشاهد الغريبة عن وسطه”.
ثانيا: عناصر الثقافة؛
ما دام الإنسان منذ ولادته يعيش في علاقة مباشرة مع أربعة عوالم:
-عالم الأشخاص،
-وعالم الأفكار،
-وعالم الأشياء،
-وعالم الظواهر الطبيعية،
بما تنقله هذه العوالم للإنسان من رسائل خلقية وفنية وجمالية وعملية؛ فإن أهم محدد في معادلة الثقافة هو الصلة الشخصية للفرد بهذه العوالم. هذه الصلة التي تَوجه مالك بن نبي إلى بنائها انطلاقا من منهج تربوي يروم تحقيق الثقافة في واقع اجتماعي معين لا مجرد وصف لهذا الواقع.
فبالتركيب بين أهم عناصر عالم الأشخاص وعالم الأفكار، وبخلفية تربوية بنائية، وضع مالك بن نبي القاعدة الأولى في البناء الثقافي، ألا وهي:
1-التوجيه أو المبدأ الأخلاقي:
ويعني به استقراء لما جاء في كتابه “مشكلة الثقافة” جملة المبادئ والأفكار والتصورات والقيم والروحانيات التي تعطي قوة التماسك الضرورية للأفراد في المجتمع؛ بحيث تخلق حالة من الانسجام بين سلوك الفرد وأسلوب الحياة الاجتماعية، في اتجاه تحقيق الهدف الأكبر وهو بناء الحضارة.
فهذه القاعدة كما يبدو تؤسس لمشروع الإجابة عن سؤالين مركزيين:
من نحن؟ وماذا نريد؟
ما هي أهدافنا الاجتماعية والحضارية والإنسانية؟
وما هي الفكرة أو العقيدة أو الروح المتحركة والمتوثبة في نفوسنا وسلوكنا، والتي تنسج العلاقه بيننا؛ بما يمكننا من بلوغ الأهداف والمقاصد الكبرى؟
وفي هذا الإطار يقول مالك بن نبي:
” إن روح الإسلام هو الذي خلق من عناصر متفرقة كالأنصار والمهاجرين أول مجتمع إسلامي… فقوة التماسك الضرورية للمجتمع الإسلامي موجودة بكل وضوح في الإسلام، ولكن أي إسلام؟ الإسلام المتحرك في عقولنا وسلوكنا والمنبعث في صورة إسلام اجتماعي. وقوة التماسك هذه جديرة بأن تؤلف لنا حضارتنا المنشودة وفي يدها -ضمانا لذلك- تجربة عمرها ألف عام، وحضارة ولدت على أرض قاحلة، وسط البدو رجال الفطرة والصحراء” -مشكلة الثقافة، ص81-
وكذلك المدينة الغربية لم تتأسس وتنمو بمنأى عن الفكر الديني؛
“ولو أننا تناولنا بالدراسة مشروعا اجتماعيا كجمعية حضانة الأطفال في فرنسا، بدا لنا من أول وهلة أنها جمعية تقوم على شؤونها دولة مدنية، ونحكم بأنها مؤسسة نشأت في بادئ أمرها على أسس مدنية لا دينية، بينما لو درسنا تاريخها ورجعنا إلى أصول فكرتها الأولى لوجدناها ذات أصل مسيحي؛ فهي تدين بالفضل للقديس (فانسان دي بول) الذي أنشأ مشروع الأطفال المشردين خلال النصف الأول من القرن 17” -مشكلة الثقافة، ص80-
وبالمنهج نفسه القائم على التركيب بين عوالم الثقافة، وبالخلفية التربوية ذاتها صاغ مالك بن نبي ثلاثة عناصر أو مبادئ أخرى للثقافة إلى جانب التوجيه الخلقي أو المبدأ الخلقي؛ وهي: التوجيه الجمالي والتوجيه العملي والتوجيه الصناعي.
2- التوجيه الجمالي:
يفتتح مالك بن نبي حديثه عن التوجيه الجمالي بقوله: “لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل أو بالأفكار الكبيرة؛ فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالا أقبح، والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة لابد أن يظهر هذه الصور في أفكاره وأعماله ومساعيه” -مشكلة الثقافة، ص81-
والعكس بالعكس الصحيح؛ فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد يجد الإنسان في نفسه نزوعا إلى الإحسان في العمل وتوخيا للكريم من العادات، وهذا الذوق يمس كل دقائق وجزئيات حياتنا، كذوقنا في الملبس والطعام والكلام والفن والعادات وأساليب الضحك وطريقه تنظيم بيوتنا ومسح أحذيتنا وتنظيف أرجلنا وجواربنا وشوارعنا وما الى ذلك؛ يقول مالك النبي لقد صدرت بعض الأوامر في مدينة موسكو نقلتها إلينا الصحافة تلزم سكانها بأن يراعوا في يقظة نظافة مدينتهم، وإلا فهم مهددون بفرض غرامة تبدأ من 25 الى 100 روبل على كل من يبصق في الشارع، أو يلقي بأعقاب السجائر على الرصيف، أو يعلق ملابسه في الشباك المطل على الشارع، أو يلصق إعلانات على الحوائط، أو من يركب السيارات العامة بملابس العمل المتسخة؛ فالجمال هو الإطار الذي تتكون فيه الحضارة؛ لذلك يجب أن نعنى به في أنفسنا وفي مجتمعنا، ويجب على حد تعبير مالك النبي أن يثيرنا أقل نشاز في الأصوات وفي الروائح وفي الألوان كما يثيرنا منظر مسرحي سيء الأداء.
إن الجمال هو وجه الوطن في العالم فلنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا ونفرض احترامنا على جيراننا الذين ندين لهم بالاحترام نفسه.
3- التوجيه العملي:
التوجيه العملي، ويمكن تسميته كذلك بالمبدأ أو المنطق العملي، يقصد به مالك بن نبي ربط العمل بوسائله ومقاصده بحيث نتمكن من استخراج أقصى ما يمكن من الفائدة وبلوغ أكبر قدر ممكن من المردودية والإنتاج من الوسائل المتاحة والممكنة. فالعرب المسلمون -للأسف الشديد- تحولوا اليوم الى ظاهرة كلامية وكائنات حالمة عاطفية ينقصها المنطق العملي؛ بحيث إذا عقدنا مقارنة بين الرجل المسلم والرجل الأوروبي أيهما ذو نشاط وعزم وحركه دائبة وفعالية مستمرة؟
لن يكون هو الرجل المسلم بكل أسف، وهو الذي يأمره القرآن بالعمل والنشاط والإنتاج، يقول الله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون}.
فيجب على المسلم اليوم، إن أراد فعلا أن يتقدم في اتجاه التحضر والرقي، أن يفكر ليعمل كما -في أحسن الأحوال- يفكر ليقول. قال مالك النبي: “ونحن أحوج ما نكون إلى هذا المنطق العملي في حياتنا؛ لأن العقل المجرد متوافر في بلادنا، غير أن العقل التطبيقي الذي يتكون في جوهره من الإرادة والانتباه فشيء يكاد يكون معدوما؛ فالمسلم يتصرف مثلا في 24 ساعة كل يوم، فكيف يتصرف فيها؟ وقد يكون له نصيب من العلم أو حظ من المال، فكيف ينفق ماله ويستغل علمه؟” -شروط النهضة، ص 02-
4- التوجيه الفني الصناعي أو الصناعة:
يقول مالك بن نبي مبينا مقصوده من كلمة “صناعة”: “لا نعني بالصناعة ذلك المعنى الضيق المقصود من هذا اللفظ بصفة عامة في البلاد الإسلامية؛ فإن كل الفنون والمهن والقدرات وتطبيقات العلوم تدخل في مفهوم الصناعة” -مشكلة الثقافة، ص88-
ثم قال: “ومن المسلم به أن الصناعة للفرد وسيلة لكسب عيشه وربما لبناء مجده، ولكنها للمجتمع وسيلة للمحافظة على كيانه واستمرار نموه؛ وعليه فيجب أن نلاحظ في كل فن هذين الاعتبارين” -مشكلة الثقافة، ص88-
أي حاجة الفرد وحاجة المجتمع؛ بحيث تضطلع مؤسسات في هذا المجال للتوجيه والتكوين بما يحقق حاجات الأفراد والمجتمع معا.
تلك إذن هي العناصر الثقافية الأربعة التي رام مالك النبي تركيبها في منهج تربوي لتكوين مجتمع مثقف، تجمع بين جميع أفراده: الفلاح والطبيب والتاجر والمعلم ورجل الإدارة جوامع ثقافية مشتركة، لا يؤثر فيها تفاوت مستواهم التعليمي أو المعرفي، في إطار دائما العلاقة التبادلية المشروعة بين الفرد والمجتمع، التي بمجرد انفراطها ينحدر المجتمع إلى “الأزمة الثقافية” التي أرجعها ابن النبي إلى أحد عاملين:
الأول: إهمال المجتمع واجبه في السهر على الأفراد وتوجيه سلوكهم الاجتماعي وضبطه.
والثاني: مصادرة حق الفرد في النقد، أو بالتعبير الإسلامي “واجب تغيير المنكر” فيما يدخل تحت العلم والقدرة، أو الحق المنضبط في حرية التفكير والتعبير بصفة عامة، يقول مالك بن نبي:
“ففي كلتا الحالتين تنشأ أزمة ثقافية مآلها البعيد أفول حضارة، وفي القريب زوال الالتزام بين المجتمع والفرد زوالا يعبر عنه في صورته الفلسفية كتاب مثل (اللامنتمي) للإنجليزي (كولين ولسون)، أو في صورته السلوكية عصابات (الهيبيز) ” -مشكلة الثقافة، ص91-، فينفرط العقد نتيجة لذلك بين الفرد والمجتمع والدولة، وتصبح الريبة وعدم الثقة هي سيدة الموقف، وتموت الغيرة في النفوس ويضمر الحس الوطني؛ فينطفئ بذلك مصباح الحضارة.
ثالثا: الحرفية في الثقافة والفرق بين الثقافة والعلم والتعليم:
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى مسألة مهمة عرج عليها مالك بن نبي عند حديثه عن “الحرفية في الثقافة” في كتابه “مشكلة الثقافة” حيث نبه على ضرورة التمييز بين المثقف الحقيقي والمثقف الحَرفي المتعالم الذي يقبل على التعلم، لا ليصير مكتسباته ضميرا فعالا في حياته الخاصة والاجتماعية، بل يتخذه آلة لاقتناص مكاسب مادية أو ليصبح شخصية بارزة، وما إلى ذلك. والصعوبة كل الصعوبة كما قال في مداواة هؤلاء، وقد ميز رحمه الله بين الثقافة والتعليم بقوله: “الثقافة نظرية في السلوك أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة” -مشكلة الثقافة، ص73-.
فالمثقف بناء على ذلك ليس من يحمل شهادات علمية، أو من يحفظ معارف ومتونا علمية، إنما المثقف من يتصرف بمقتضى ما تدعو إليه مبادئ العلوم في واقع السلوك والممارسة، وإن كان أميا. ومن ثم لا يكون مثقفا من يلوث البيئة، أو لا يرفق بإنسان أو حيوان، أو يتكلم الكلام الفاحش المستقبح، أو لا يحترم علامات المرور، أو لا يفي بعهوده، أو ما إلى ذلك، وإن كان خزانة من العلم تمشي على قدمين.
ختاما، الثقافة في فكر مالك بن نبي سلوك قبل أن تكون فكرا، وممارسة قبل أن تكون معرفة، ولا بد لبناء ثقافة راشدة، كمقدمة لحضارة رائدة، من مبادئ أربعة: المبدأ الخلقي، والمبدأ العملي، والمبدأ الصناعي، والمبدأ الجمالي.. وما أحوج الأمة العربية والإسلامية لهذه المبادئ والتوجيهات الأربعة.
# د. إدريس أوهنا #





