الواجهة

مغاربة يتفاعلون مع رفع التوزاني وعيوش لشعار “أوقفوا الإبادة في غزة” في مهرجان البندقية.

 

عبد العزيز بنعبو
عن موقع “القدس العربي”:

اختارت المخرجة المغربية مريم التوزاني أن تفتتح سلسلة مشاركاتها في مهرجانات عالمية بفيلمها الجديد “شارع مالقة”، بالظهور إلى جانب زوجها المخرج والمنتج نبيل عيوش على البساط الأحمر لمهرجان البندقية السينمائي الدولي، وهما يرفعان معًا حقيبة ذات وجهين: الأول عبارة عن تصميم مستوحى من الكوفية الفلسطينية، والوجه الثاني كتبت عليه جملة واحدة بالإنكليزية: “أوقفوا الإبادة الجماعية في غزة”.
المشاهد التي تناقلتها مواقع إخبارية محلية وعربية ودولية استُقبلت في المغرب بالتنويه والإشادة من قبل غالبية المتابعين الذين وصفوا هذا الموقف بـ “النبيل”، فيما اعتبره آخرون امتدادًا للمواقف الرسمية والشعبية المغربية المناصرة للقضية الفلسطينية.
وتحولت حقيبة اليد إلى رمز “نضالي” على البساط الأحمر لمهرجان البندقية، حيث حملتها مريم التوزاني في يدها وهي تمشي برفقة زوجها المخرج نبيل عيوش، وتوقّفا من أجل التقاط الصور. وفجأة ارتفع وميض “الفلاشات” الصادرة عن آلات تصوير الصحافيين، بمجرد أن كشفت المخرجة المغربية عن الواجهة الثانية لحقيبتها، لتظهر العبارة واضحة ومكتوبة باللغة الإنكليزية: “أوقفوا الإبادة الجماعية في غزة”. وتوزعت تعريفات المتفاعلين مع المشهد بين “المطالبة” و”الاحتجاج” و”الدعم”، وهي كلها تعريفات مختلفة لكنها تؤدي رأسا إلى الهدف نفسه.
صفحات وحسابات مغربية عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي تلقفت الصور ومقاطع الفيديو لمرور التوزاني وعيوش على البساط الأحمر لمهرجان البندقية، وكان كافيا للجميع استعراض المشاهد فقط مع تعليق خفيف ودال عبارة عن خبر تناقلته مختلف المنابر الإعلامية المحلية والعربية والأجنبية.
وكتب الباحث توفيق التهاني، الرئيس الشرفي للجمعية الفرنسية للتضامن مع فلسطين، تدوينة على منصة “إكس” جاء فيها: “تحية لمريم التوزاني ونبيل عيوش لتذكيرهما لنا في البندقية بأن إبادة جماعية تجري في غزة، وأنها يجب أن تتوقف. وهذا هو أيضًا دور السينما: رفض الجرائم ضد الإنسانية”.
المخرج والناقد السينمائي عبد الإله الجوهري صرّح لـ “القدس العربي” قائلا: “الفن موقف، وكل فنان لا يتبنى موقفا من القضايا العادلة لا يستحق لقب فنان”. وأضاف موضحًا: “ما يقع اليوم من مجازر وحشية على الأراضي الفلسطينية، أساسا في غزة الصامدة، يتطلب مواقف عامة وخاصة لإدانة وحشية الآلة القمعية الصهيونية المتوحشة، كما يتطلب مواقف تعبر عن رفض الهمجية وتنتصر لحقوق الشعب الفلسطيني”.
وذكر الجوهري أنه “في هذا الإطار، برزت في الأوساط الفنية السينمائية الأصوات الرافضة لما يحدث من جرائم، والمعبّرة عن إدانتها الشديدة لما يحصل من تجاوزات خطيرة”. وأكد أن “السينمائيين المغاربة على العموم يقفون إلى جانب شعبنا الفلسطيني، ويعبّرون بكل قوة عن مساندتهم لكفاح هذا الشعب البطل، ولعل موقف المخرجين نبيل عيوش ومريم التوزاني في وقفتهما الشجاعة بمهرجان البندقية تلخيص بليغ لما نؤمن به ونؤكد عليه، تلخيص وتأكيد على إدانة الصهيونية وجرائمها النازية في حق شعب أعزل”.
وأضاف المخرج المغربي قائلاً: “بالتالي، لا يسعني كسينمائي مغربي، وانسجاما مع الموقف العام للمغرب، شعبا وملكا وحكومة، إلا أن أحيي مبادرة كل فنان عبّر عن استيائه ورفضه للعنجهية الإسرائيلية، والتأكيد على أن الحق الفلسطيني الشرعي ثابت مهما طال الزمن واستقوى الكيان بقوته العسكرية وصمت المجتمع الدولي”. وختم حديثه بتوجيه الشكر مرة أخرى “لنبيل ولمريم على وعيهما الإنساني الخلاق”.
من جهته، أكد الناقد الفني والسينمائي مصطفى الطالب أنه “لا شك أن كل شكل من أشكال التضامن مع غزة ضد الإبادة التي تتعرض لها يعبّر عن موقف إنساني نبيل ومناصرة لحق الشعوب ضد الاحتلال، وهذا ما عبّر عنه العديد من ممثلي وممثلات هوليوود منذ بداية العدوان إلى غاية اليوم، خاصة في مهرجان البندقية الذي يشارك فيه نبيل عيوش ومريم التوزاني”.
وأضاف الطالب موضحًا: “اعترافهما بأن ما يجري في غزة إبادة موقف يُحسب لهما”، لكنه استدرك متسائلًا: “أتمنى ألا يكون ذلك تحت تأثير موجة التضامن التي عبّر عنها فنانو هوليوود بنفس المهرجان، لأننا لم نر هذا التضامن في مهرجان (كان) مثلًا خلال السنتين الماضيتين من العدوان”.
وتابع الناقد المغربي طرح تساؤلاته قائلًا: “الكل يعرف من هما نبيل عيوش ومريم التوزاني اللذان غالبا ما كانت أفلامهما تثير زوبعة من الانتقادات داخل المجتمع المغربي. فهل موقفهما اليوم يعبّر عن صحوة ضمير ونقد ذاتي كما وقع للعديد من المثقفين والفنانين، بما فيهم الغربيون؟”
وأشار إلى أن هذا السؤال مطروح “لأننا نعرف مشاركتهما، وخاصة نبيل عيوش، في مهرجانات (إسرائيلية) كما وقع سنة قبل بداية الحرب على غزة”. وتابع قائلاً: “هل هذا الموقف تعبير عن تغيير موقفهما من التطبيع مع الاحتلال الصهيوني، لأننا نعرف أن نبيل عيوش من المطبّعين وزار الكيان عدة مرات؟”
وزاد الطالب متسائلًا: “هل سينعكس هذا الموقف على إبداعهما السينمائي، بحيث نرى أفلامًا تحمل تضامنًا حقيقيًا مع الشعب الفلسطيني، عكس ما شاهدناه في شريطه الوثائقي (أرضي)، وتتطرق لمواضيع جادة عكس ما قدماه إلى غاية اليوم؟”
وانتقل الناقد المغربي للحديث عن السينما المغربية بصفة عامة، متسائلًا: “بالموازاة مع ذلك، لماذا لم نر مواقف جريئة من السينمائيين المغاربة داخل المغرب وخارجه في تكتلات مؤثرة تعبّر عن رفضها للتطبيع مع الكيان واختراقه للمشهد السينمائي المغربي، وتقوم بحملات تضامنية فاعلة في المجتمع، عوض الاقتصار على مواقف فردية متناثرة هنا وهناك؟”، وفق تعبيره.
وأضاف: “لماذا لم نر فيلما مغربيا ولو قصيرًا أو وثائقيًا حول فلسطين وحول الإبادة الجماعية بغزة؟”. وختم قائلًا: “الأيام كفيلة بأن تجيب على هذه التساؤلات النابعة أيضا من قلب المجتمع المغربي الذي عبّر بشكل واضح عن تضامنه المطلق مع أهالي غزة الذين يعيشون محرقة لا مثيل لها في التاريخ، وعن رفضه للتطبيع، وعلى الإبداع الفني والسينمائي أن يعكس هذا التفاعل الوطني والإنساني مع قضية الإنسانية الكبرى، قضية فلسطين”.
وجاء في تدوينة للناشط الحقوقي والخبير الاقتصادي فؤاد عبد المومني: “حبذا لو تفادى المتعاطفون مع القضايا العادلة القذف في كل من لا يتماهون معه. نموذج ذلك ما تعرض له نبيل عيوش من سب وشتم، لربما لأن أمه يهودية. ها هو مع مريم التوزاني يتحملان وزر مناهضة الإبادة في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، وهما يعلمان أنهما سيؤديان ثمنا غاليا على هذا الموقف الشجاع. فتحية لهما ولكافة المتضامنات والمتضامنين، كل حسب ما يتحمله!”
وتشارك المخرجة المغربية مريم التوزاني في فعاليات مهرجان البندقية، الذي افتتح دورته الـ 82 يوم 27 آب/ أغسطس ويتواصل حتى 6 أيلول/ سبتمبر، بفيلمها الجديد “شارع مالقة”، الذي يعرض في قسم “تحت الأضواء”، وهو قسم خارج المسابقة الرسمية ضمن هذه التظاهرة السينمائية العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى