24 ساعةأخبار وطنيةالواجهة

من المطبخ الأرضي إلى الفضاء السحيق : الكسكس المغربي في سياق التحول الغذائي لبعثات الفضاء

بقلم ذ. سيداتي بيدا

في لحظة تتقاطع فيها الأنثروبولوجيا مع علوم الفضاء، برز خبر اعتماد طبق الكسكس المغربي ضمن قوائم التغذية الخاصة برواد مهمة «أرتيميس 2» كإشارة دالة على تحوّل نوعي في فلسفة الإمداد الغذائي خارج كوكب الأرض. لم يعد الطعام، في هذا السياق، مجرد ضرورة بيولوجية لضمان البقاء، بل أضحى عنصرًا مركزيًا في معادلة معقدة تشمل التوازن النفسي، والهوية الثقافية، والقدرة على التكيف في بيئات معزولة وشديدة القسوة.

تُظهر المقاربات الحديثة في علم التغذية الفضائية أن الإنسان، حين يُنتزع من سياقه الأرضي، لا يفقد حاجته إلى السعرات الحرارية فحسب، بل تتضاعف حاجته إلى ما يمكن تسميته بـ”الغذاء الرمزي”؛ أي ذلك البعد غير المادي للطعام، المرتبط بالذاكرة والانتماء. ومن هذا المنظور، يكتسب اختيار الكسكس المغربي دلالة تتجاوز قيمته الغذائية، ليغدو تمثيلًا ثقافيًا مكثفًا لذاكرة جماعية قادرة على اختراق عزلة الفضاء.

يتميّز الكسكس بتركيب غذائي متوازن يجمع بين الكربوهيدرات المعقدة والبروتينات النباتية والحيوانية، إضافة إلى غناه بالألياف والعناصر الدقيقة، ما يجعله ملائمًا للأنظمة الغذائية الدقيقة التي تُصمَّم بعناية لرواد الفضاء.

غير أن قيمته الأعمق تكمن في طابعه الطقوسي؛ إذ يُعدّ في سياقه الأصلي وجبة جماعية بامتياز، تُجسّد مفاهيم المشاركة والدفء الأسري. ومن هنا، فإن إعادة إنتاجه ولو بصيغة معدّلة تقنيًا داخل مركبة فضائية، يمثل محاولة لإعادة بناء “بيئة نفسية مصغّرة” داخل فضاء يفتقر إلى أي مرجعية مألوفة.

تشير دراسات متعددة في علم النفس الفضائي إلى أن الحرمان الحسي والاجتماعي يُعدّ من أبرز التحديات التي تواجه رواد المهمات طويلة الأمد. وفي هذا الإطار، يصبح التنوع الغذائي، خصوصًا حين يعكس خلفيات ثقافية متعددة، أداة استراتيجية لتعزيز الاستقرار النفسي وتحسين الأداء المعرفي. إن إدماج أطباق تقليدية مثل الكسكس لا يُقرأ فقط كخيار ذوقي، بل كجزء من تصميم بيئة معيشية متكاملة، تراعي التعقيد الإنساني في أقصى تجلياته.

علاوة على ذلك، يكشف هذا التوجه عن تحول أعمق في نظرة المؤسسات العلمية الكبرى إلى مفهوم الاستكشاف ذاته. فالفضاء، في هذا التصور، لم يعد مجالًا تقنيًا محضًا، بل امتدادًا للحضارة الإنسانية بكل ما تحمله من تنوع ثقافي ورمزي. إن حمل طبق تقليدي إلى مدار القمر هو، في جوهره، فعل ثقافي بامتياز، يوازي في أهميته الإنجاز التكنولوجي الذي أتاح الوصول إلى هناك.

في المحصلة، لا يمكن اختزال حضور الكسكس المغربي في مهمة «أرتيميس 2» في كونه تفصيلًا لوجستيًا ضمن قائم

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى