مجرد رأي

همزة وصل : “مستشفى ‘محمد الخامس’ سابقاً: هل تحول ملاذُ الشفاء إلى مقبرةٍ للأحياء؟”

ثمة أمكنة في مدينة الجديدة لا تكتفي بكونها جدراناً وسقوفاً، بل هي ذاكرةٌ حية تنبض بأوجاع الناس وأفراحهم. ومن بين هذه الأمكنة، يقف مبنى “مستشفى محمد الخامس سابقاً” كشاهدٍ جريح على تحولات الزمن. هذا الصرح الذي كان يوماً مرادفاً للأمل، وملاذاً تُشفى فيه الأبدان وتُحقن فيه الحياة، يطرح علينا اليوم سؤالاً حارقاً يخدش ضمير المدينة:

كيف استحال الفضاء الذي كان يطرد الموت، إلى جدارٍ صامت يحجز خلفه أرواحاً تائهة تعيش موتاً من نوع آخر؟

اليوم، لم تعد الممرات تعبق برائحة المعقمات وخطى الأطباء الواثقة، بل أصبحت تفوح منها رائحة النسيان وأنين “المنسيين”. خلف تلك النوافذ التي أكلها الصدأ، يقبع إخوةٌ لنا من متشردين ومختلين عقلياً، لفظتهم أمواج الحياة القاسية ليرسوا في هذا “المرفأ الأخير”. إنهم “الأحياء-الأموات” الذين توقفت ساعات زمنهم عند لحظة انكسار العقل أو فقدان المأوى، ليجدوا أنفسهم في مركز إيواءٍ يبدو في عيون الكثيرين كأنه “منفى” اختياري للمجتمع بعيداً عن صخب الشوارع.

إننا حين نتحدث عن هذا المركز، لا نتحدث عن أرقام أو ميزانيات، بل نتحدث عن “كرامة” تُهدر في صمت الممرات الباردة. فهل تحول هذا المستشفى التاريخي إلى مجرد “مستودع” للبشر؟ وهل نكتفي بتقديم لقمة تسد الجوع، بينما أرواح هؤلاء النزلاء تجوع لِلَمسة حنان، لِرعاية طبية حقيقية، ولإحساسٍ بأنهم ما زالوا جزءاً من نسيج هذه المدينة؟

إنها صرخةٌ نطلقها من قلب “صالون الفكر والإبداع”، ليس فقط لتوصيف الوجع، بل لنوقظ الضمائر؛ فالمجتمع الذي يترك ضعفاءه خلف جدران النسيان، هو مجتمعٌ يحتاج هو نفسه إلى “شفاء”.

في قلب مدينة الجديدة، غير بعيد عن الأسوار التاريخية ورائحة البحر، ينتصب مبنى مستشفى محمد الخامس سابقًا كأثر عمراني يختزن ذاكرة أجيال تعاقبت على أبوابه طلبًا للعلاج والشفاء. غير أن هذا الفضاء، الذي كان عنوانًا للأمل الصحي، تحوّل اليوم إلى مركز لإيواء أشخاص في وضعية هشاشة قصوى، في مشهد يطرح أسئلة عميقة حول معنى الرعاية وحدود المسؤولية الجماعية.

لم يعد المبنى يؤدي وظيفته الطبية، لكنه لم يغادر دائرة الحاجة الإنسانية. داخله يقيم رجال ونساء أنهكتهم الشوارع، وأثقلتهم اضطرابات نفسية أو عقلية، أو لفظتهم ظروف اجتماعية قاسية. بعضهم فقد الروابط الأسرية، وبعضهم ضاع في متاهات المرض والإهمال، فصار “الإيواء” بالنسبة إليهم ملاذًا أخيرًا يحميهم من العراء، لكنه لا يعيد إليهم بالضرورة ما فقدوه من توازن واعتراف وكرامة.

إن اختزال وضعيتهم في مجرد “إيواء” مادي يُفرغ الفعل الاجتماعي من جوهره. فالسقف والجدران، مهما بلغت أهميتهما، لا يكفيان لمعالجة هشاشة مركبة تتداخل فيها أبعاد نفسية وصحية واجتماعية. هؤلاء ليسوا حالات عابرة ولا أرقامًا في تقارير إدارية، بل ذوات إنسانية لها تاريخها المنكسر ومساراتها المتعثرة. التعامل معهم يقتضي مقاربة شمولية تدمج المواكبة الطبية المتخصصة، والدعم النفسي، وإعادة التأهيل، وإمكانيات الإدماج لمن تسمح وضعيتهم بذلك.

إن وجود مركز للإيواء في مبنى مستشفى قديم يضع المدينة أمام اختبار أخلاقي وتنموي في آن واحد. فالسؤال لم يعد فقط كيف نوفر مكانًا يحمي هؤلاء من الشارع، بل كيف نحوّل هذا الفضاء إلى مؤسسة حقيقية للرعاية والاحتواء، تحترم المعايير الصحية والإنسانية، وتنسجم مع رؤية تنموية تعتبر الكرامة أساس كل تدخل اجتماعي. فالمجتمع لا يُقاس فقط بجمالية فضاءاته العامة، بل بمدى عنايته بأضعف فئاته.

كما أن هذه الوضعية تبرز الحاجة إلى تنسيق فعّال بين مختلف المتدخلين: السلطات المحلية، والقطاعات الاجتماعية والصحية، والمجتمع المدني، والفاعلين الاقتصاديين. فالهشاشة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي نتيجة اختلالات متراكمة تتطلب معالجة جماعية، تقوم على التخطيط، وتوفير الموارد، وتقييم الأثر، بدل الاكتفاء بحلول ظرفية أو موسمية.

إن مبنى محمد الخامس سابقًا يمكن أن يتحول من رمز لتحول مؤلم في الوظيفة، إلى نموذج لتجديد المقاربة الاجتماعية بالمدينة. وذلك عبر تأهيله ليصبح مركزًا متكاملًا للرعاية، تتوفر فيه شروط العيش الكريم، وتُصان فيه إنسانية المقيمين، وتُفتح أمامهم، قدر الإمكان، آفاق استعادة التوازن والاندماج.

فكرامة الإنسان لا تسقط بالتقادم، ولا تُختزل في مجرد الإيواء. والمدينة التي تطمح إلى أن تكون حديثة وجميلة، مطالَبة بأن تجعل من العناية بأبنائها الأكثر هشاشة أولوية لا هامشًا. عندها فقط يمكن القول إن الجدران استعادت روحها، وإن الذاكرة القديمة للمستشفى قد وجدت معنًى جديدًا، لا في علاج الأجساد فحسب، بل في صون الكرامة الإنسانية.

الأمل لا يسقط بالتقادم سيظل مبنى  مستشفى “محمد الخامس” سابقاً يذكّرنا بأن الجدران لا تصنع المؤسسات، بل الروح التي تسكنها هي التي تصنع الفرق. فهل نترك تلك الأرواح تذبل في صمت؟ أم نجعل من هذا المركز “شريان حياة” حقيقي يضخ الكرامة في نفوسٍ أضناها النسيان؟

صرخة من أجل الكرامة   نرفع الصوت عالياً: إن هؤلاء القابعين في أروقة المستشفى القديم هم أمانة في عنق كل “جديدي” غيور. إنهم يحتاجون لالتفاتة تتجاوز الموسمية، وبرامج تأهيلية تعيد دمج من استطاع منهم، وتوفر العيش الكريم لمن انقطعت به السبل.

إن المجتمع الذي لا يكرم ضعفاءه، لا يمكنه أن يفتخر بعظمائه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى