أزلو محمد يكتب: المغرب في مواجهة الجريمة المنظمة” درع الصرامة وحكمة الاستباق”

في سياق دولي مضطرب، تتنامى فيه شبكات الجريمة المنظمة وتتشابك خيوطها العابرة للحدود، يبرز المغرب كحارس يقظ على بوابة ثلاث قارات، متسلحًا بإرادة سياسية راسخة ورؤية أمنية متبصّرة، تترجمها يوميًا جهود جبارة لا تهدأ في معركته المتواصلة ضد آفة المخدرات وتداعياتها الكارثية.
في رد رسمي عميق المغزى على سؤال كتابي تقدم به المستشار البرلماني السيد خالد السطي، كشف وزير الداخلية عن الخطوط العريضة لمقاربة أمنية متقدمة، تضع في صلب أولوياتها مكافحة الجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع بالمخدرات، معتبرًا أن هذه الظواهر لا تمثل فقط خطرًا مباشرًا على الصحة العامة والشباب، بل تتجاوز ذلك إلى تهديد الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي والسيادة الوطنية ذاتها.
فالمملكة، بما تكتنزه من موقع جغرافي بالغ الحساسية، تشكل ملتقى لتيارات التهريب العالمية، حيث تتقاطع أطماع الكارتيلات القادمة من أمريكا اللاتينية مع امتداداتها في إفريقيا، لتجعل من التراب المغربي نقطة عبور نحو الحلم الأوروبي، وهو ما يجعل من المعركة ضد هذه الشبكات واجبًا وطنيًا ومهمة دولية في آن واحد.
ولمواجهة هذه التحديات الشائكة، تتبنى وزارة الداخلية، بتنسيق مع الأجهزة الأمنية المختصة، سياسة متعددة الأبعاد، تقوم على تحديث مستمر للبنية التحتية الأمنية، عبر الرفع من القدرات التكنولوجية، وتعزيز أنظمة المراقبة والرصد، مع استثمار حقيقي في الرأسمال البشري، من خلال التكوين المستمر، والتأهيل النوعي، وإذكاء روح المبادرة والمسؤولية.
وفي صلب هذه المقاربة الأمنية المتقدمة، تبرز الاستراتيجية الوطنية لمحاربة المخدرات، كإطار شمولي يجمع بين منطق الردع والوقاية، إذ لا تكتفي بمحاصرة شبكات التهريب والترويج، بل تسعى إلى تجفيف المنابع من خلال تقليص المساحات المزروعة بالقنب الهندي غير المشروع، والتشجيع على الانخراط في الزراعة القانونية وفق ضوابط دقيقة، بما يضمن تحويل الفلاح من حلقة ضعيفة في سلسلة الجريمة إلى فاعل إيجابي في التنمية المحلية المستدامة.
وتعكس الحصيلة الأمنية المسجلة خلال سنة 2024 حجم الجهد المبذول، إذ تم ضبط أزيد من 85 ألف طن من مخدر الشيرا، و112 طنًا من نبتة الكيف، وأكثر من 2500 كيلوغرام من الكوكايين، فضلًا عن ما يناهز 1.5 مليون قرص مهلوس، في عمليات نوعية جسدت يقظة الأجهزة الأمنية وقدرتها على تفكيك شبكات مترامية الأطراف، تعتمد أساليب معقدة في التهريب والتخفي.
إن هذه الأرقام، التي قد تبدو مجرد إحصائيات في ظاهرها، إنما تحمل في طياتها قصصًا من العرق والتضحيات، وتترجم التزامًا عميقًا من طرف الدولة المغربية في التصدي لتحديات عالمية تتجاوز حدودها الترابية. وهو ما أشار إليه الوزير بوضوح، مؤكدًا أن المغرب لا يخوض هذه الحرب بمفرده، بل يثمّن التعاون الدولي كدعامة لا غنى عنها لتعزيز الأمن الجماعي، خاصة في ظل تنامي التداخل بين التهريب، وغسيل الأموال، وتمويل الجماعات المتطرفة.
ومع كل إنجاز جديد، يتأكد أن المغرب لا يواجه هذه الحرب فقط بالسلاح والقانون، بل برؤية استراتيجية متكاملة، تجعل من الأمن ركيزة للاستقرار، ومن العدالة الاجتماعية أداة للوقاية، ومن التنمية الشاملة حائط الصد الأول ضد الإغراءات الإجرامية.
في هذا السياق، تبدو الحرب ضد المخدرات أكثر من مجرد صراع ضد مادة محرّمة؛ إنها معركة من أجل الكرامة، ومن أجل صون مستقبل الأجيال، ومن أجل تأكيد السيادة الوطنية في عالم لم يعد يعترف إلا بالقوة، والتماسك، والرؤية البعيدة المدى.





