أزمور… حين تتحول الحاضرة إلى “حكاية من زمن العبث”

يحكى في سالف العصر والأوان، أن مدينة تدعى أزمور كانت قائمة على ضفاف التاريخ، تتباهى بموقعها الجغرافي وتستند إلى إرث حضاري عريق، حتى ظن أهلها أن الزمن سيظل وفيا لها. لكن، وكما في كل الحكايات الساخرة، يظهر أبطال من نوع خاص… لا يؤمنون إلا بفن “تدبير الفوضى” وإتقان لعبة الهروب من المحاسبة.
في هذه الرواية التي لا تنتهي فصولها، يبدو أن المسؤول الأول عن المدينة أختار لنفسه دور “المتفرج الحكيم”، يراقب من بعيد مشاهد العبث اليومي وكأن الأمر لا يعنيه. أما بعض رجالات السلطة، فقد أبدعوا في نسج علاقات غامضة جعلتهم يعتقدون أنهم فوق القانون، أو ربما خارجه تماما، في نسخة محلية من أسطورة “اللا محاسبة”.
أزمور، التي كان يفترض أن تكون حاضرة تضاهي المدن، تحولت – بقدرة قادر – إلى مختبر حي لتجارب التسيير المرتجل، حيث لا فرق بين تدبير مدينة بتاريخ عريق وتدبير قرية منسية في أطراف النسيان. والنتيجة؟ مشهد سريالي مفتوح على كل الإحتمالات… إلا التنظيم.
في شوارعها، يمكنك أن تلتقي “مواطنين غير عاديين” جاؤوا من كل حدب وصوب، بعضهم يعبر عن نفسه بالحجارة والعصي، في عرض يومي مجاني للرعب الحضري. أما الأرصفة، فقد أعلنت إستقلالها الرسمي تحت سيطرة الباعة المتجولين، الذين نجحوا في فرض “سيادة ميدانية” جعلت المواطن يركن سيارته وهو يستعد نفسيا لأي مواجهة محتملة.
ولأن الكوميديا السوداء لا تكتمل دون لمسة عمرانية، فقد دخل البناء العشوائي على الخط، ليؤثث المشهد بأناقة فوضوية، خاصة في بعض الأحياء التي تحولت إلى ورش مفتوح دون ترخيص… سوى ترخيص الصمت.
أما الشوارع الرئيسية، مثل شارع العيون وبوجدور، فهي أشبه بمعارض دائمة للفوضى، تحتاج فقط إلى تذكرة دخول إسمها “الصبر”، بينما تبقى باقي الأحياء ضمن قائمة الإنتظار… في إنتظار دورها في هذا العرض الكبير.
وسط كل هذا يستمر المسؤول الاول عن المدينة في أداء دوره الصامت، كأن المدينة تسير بنظام الطيار الآلي، أو كأن ما يحدث مجرد تفاصيل لا تستحق الإزعاج. وبين هذا وذاك، يجد المواطن نفسه بطلا حقيقيا … ليس لأنه أختار ذلك، بل لأنه مجبر على التعايش مع واقع صار فيه الإستثناء هو القاعدة.
وهكذا تستمر الحكاية… مدينة بتاريخ عريق، تديرها مفارقات الحاضر، وتكتب يومياتها بسخرية مرة، في إنتظار فصل جديد… قد يأتي، أو قد يظل مؤجلا إلى إشعار آخر.





