أزمور.. حين يتحول “السياسي” إلى خبير في تزيين العروس ليلة الزفاف

في مشهد يثير أكثر من علامة إستفهام، لم يعد المتتبع للشأن المحلي بمدينة أزمور قادرا على فك شفرة سلوك بعض الوجوه السياسية التي تصر على إعادة إنتاج نفسها بأساليب ملتوية، وكأن المدينة تحولت إلى “قاعة أفراح” مفتوحة، يتقن فيها البعض فن “تجهيز العروس” أكثر من إتقانهم لتدبير الشأن العام.
تحركات محمومة، لقاءات مشبوهة، وولاءات تفصّل على مقاس المصالح… كلها مؤشرات تكشف أن ما يجري في الكواليس ليس بريئا، بل يندرج ضمن إستعدادات مبكرة للإستحقاقات المقبلة، حيث تحرك خيوط اللعبة بعيدا عن أعين الساكنة، في سباق محموم لملئء المناصب الشاغرة وضمان مواقع النفوذ. أما المصلحة العامة، فتظل آخر ما يفكر فيه.
الأخطر، أن هذه الوجوه لم تعد تخجل من الدفاع العلني عن رموز أرتبطت أسماؤها بملفات ثقيلة، في مشهد يختلط فيه السياسي بالإنتهازي، وتختزل فيه المسؤولية في حماية شبكات الريع وتلميع صور المستفيدين منه. هكذا، يتحول الفضاء السياسي إلى مسرح عبثي، توزع فيه الأدوار بين “مصفقين” و”ملمعين”، بينما تغيب الكفاءة والرؤية.
وعلى قارعة المقاهي بشارع محمد الخامس، تنسج “الإستراتيجيات الكبرى” لأشخاص لم يكونوا يوما في صف المواطن الأزموري، بقدر ما كانوا في صف مصالحهم الضيقة. هناك، حيث تختلط الأحاديث بالدخان، يعاد تدوير نفس الخطابات الفارغة، دون أدنى قدرة على ملامسة القضايا الحقيقية التي تؤرق الساكنة: بطالة، هشاشة، تراجع خدمات، وإنسداد آفاق التنمية.
ورغم إدعاء إمتلاك حلول سحرية لمشاكل المدينة، فإن الواقع يفضح محدودية التكوين وضعف الأفق لدى هؤلاء، الذين لا يميزون بين التدبير والإرتجال، ولا بين الحكامة والفوضى. ومع ذلك، يواصلون تقديم أنفسهم كـ”منقذين”، في مفارقة تثير السخرية أكثر مما تستدعي الثقة.
وفي تفاصيل أكثر إثارة، تتحدث معطيات متداولة عن إستغلال غير قانوني لممتلكات جماعية، خاصة بعض الدكاكين بالمحطة الطرقية، التي تحولت من ملك عمومي إلى “ضيعات خاصة” تدر مداخيل مهمة دون سند قانوني واضح … الأخطر أن بعض المستفيدين نصبوا أنفسهم ملاكا فعليين، يحددون السومة الكرائية وفق أهوائهم، في غياب تام لأي تدخل حازم يضع حدا لهذا النزيف.
ولأن الفساد لا يعيش في عزلة، فإن خيوطه تمتد إلى علاقات مصلحية مع بعض المنتخبين على مستوى الإقليم، تستغل لتوفير غطاء غير مباشر لممارسات خارجة عن القانون، مقابل ضمان الولاء السياسي. وهكذا تغرق المدينة أكثر في مستنقع الفوضى، بينما تقف الجهات المعنية موقف المتفرج.
إن ما تعيشه أزمور اليوم ليس مجرد إختلالات عابرة، بل نتيجة تراكمات صنعتها وجوه أعتادت الركوب على الفرص، وتغيير الأقنعة حسب المواسم. وجوه تختفي عند إنطفاء الأضواء، وتعود مع إقتراب “العرس الإنتخابي”، حاملة نفس الوعود، ونفس الأساليب، ونفس النهايات المخيبة.
أمام هذا الواقع، لم يعد خافيا أن ساكنة أزمور سئمت من “سياسة التزيين” التي لا تنتج سوى واجهات براقة تخفي أعطابا عميقة. المدينة اليوم في حاجة إلى قطيعة حقيقية مع هذا النموذج، وإلى نخبة جديدة تؤمن بالفعل لا بالشعارات، وتشتغل بمنطق المسؤولية لا بمنطق الغنيمة.
أزمور، بتاريخها العريق، أكبر من أن تختزل في أدوار ثانوية داخل مسرح الرداءة… وأهلها يستحقون أكثر من مجرد “مزيّنين” ” ونكافات ” لعرس لا ينتهي.





