أزمور.. مجلسٌ يفسد وشاب مقاول يصلح. . هل أنقلبت الأدوار في مدينة التاريخ ؟

في أزمور ، قواعد التدبير الجماعي قررت أخذ عطلة مفتوحة ، الأدوار أختلطت إلى درجة أصبح معها مقاول شاب يؤدي ما يفترض أن يكون من صميم مسؤولية المجلس الجماعي ! ، فبدل أن ينتظر المواطنون تدخل منتخبيهم لإصلاح الإختلالات ، وجدوا أنفسهم أمام مشهد يستحق أن يدرس في مدارس المفارقات السياسية والإدارية ، مجلس يفترض أن يصلح ، وشاب يجد نفسه مضطرا إلى تدارك ما يعتبره المواطنون إختلالا في تدبير المدينة !.
الحكاية بدأت مع ملف المقبرة اليهودية بأزمور ، الذي أثار جدلا عقب التوجه نحو تحويلها إلى مرآب بلدي ، قبل أن يتراجع المجلس عن ذلك ، وفق المعطيات المتداولة ، لتظل القضية مرتبطة بمشهد آخر لا يقل إثارة للأسئلة تحول المكان إلى مطرح للنفايات ، في صورة تطرح علامات إستفهام حول حماية الذاكرة التاريخية للمدينة وصيانة فضاءاتها .
وبين هذا وذاك ، يبرز شاب مقاول من أبناء المدينة بمبادرة إصلاحية ، ليمنح أزمور درسا عمليا في روح المبادرة ، ويضع المسؤولين أمام سؤال محرج كيف أصبح الشاب يفكر في الإصلاح ، بينما ينتظر المواطن أن يرى أثر هذا الإصلاح في تدبير الشأن الجماعي؟
في مدن أخرى ، تتدخل الجماعات لإصلاح ما تضرر ، أما في مدينة أزمور، فيبدو أن المواطن قد يحتاج إلى البحث عن مقاول شاب حتى يستعيد بعض الأمل في إصلاح ما يحيط به من إختلالات !.
ولكي تكتمل الصورة ، تخيلوا لو أن هذه الفكرة تحولت إلى قاعدة عامة ، شاب يصلح ما يحتاج إلى إصلاح، وآخر يعيد الإعتبار لفضاء مهمل، وثالث يتكفل بما تعثر تدبيره ، بينما تكتفي المؤسسة المنتخبة بمراقبة المشهد من بعيد ! عندها لن نحتاج إلى برامج عمل جماعية ، بل إلى دليل عناوين المقاولين الراغبين في إنقاذ ما يمكن إنقاذه !
لكن، بعيدا عن السخرية ، فإن مبادرة أي شاب لخدمة مدينته تستحق التقدير، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإعفاء المؤسسات المعنية من مسؤولياتها. فالمبادرات الفردية ، مهما كانت قيمتها، لا يمكن أن تحل محل التدبير المؤسساتي، ولا أن تصبح بديلا عن واجب الجماعة في حماية الممتلكات العامة وصيانة المرافق والحفاظ على التراث التاريخي .
أزمور ليست ورشة مفتوحة لتدارك الإختلالات بجهود الأفراد، وليست مدينة ينبغي أن ينتظر فيها المواطن مبادرة شاب حتى يطمئن إلى أن الإصلاح ما زال ممكنا ، إنها مدينة عريقة تستحق مجلسا يجعل الصيانة أولوية ، ويعالج الإختلالات قبل أن تتحول إلى قضايا للرأي العام ، ويتحمل مسؤولياته بوضوح أمام الساكنة .
وهنا يفرض السؤال نفسه ، بنبرة لا تخلو من السخرية ، إذا كان الشاب المقاول قادرا على المبادرة والإصلاح ، فما الذي يمنع المؤسسة المنتخبة من جعل الإصلاح جزءا يوميا من عملها ؟
في أزمور، يبدو أن الأدوار أنقلبت ، الشاب يبحث عن الحلول، والمواطن يبحث عن التفسير ، والمدينة تنتظر من يثبت لها أن تدبير الشأن المحلي ليس مجرد مقاعد إنتخابية ، بل مسؤولية وإلتزام ومحاسبة .
أما الدرس الأهم ، فهو أن مدينة أزمور لا تحتاج إلى من يتقن تبرير الإختلالات، بل إلى من يمنع وقوعها ، ولا إلى من ينتظر مبادرات الشباب لإنقاذ الموقف، بل إلى من يجعل من خدمة المدينة واجبا لا يحتاج إلى تذكير .
وإلى أن يحدث ذلك ، ستظل المفارقة قائمة ، شاب يمد يده للإصلاح ، ومدينة تمد يدها للمسؤولين ، وسؤال معلق في سماء مدينة أزمور ، من سيصلح تدبير الإصلاح نفسه ؟





