الواجهةمجرد رأي

أسوأ وجه تبرزه الخسارة في كرة القدم هو وجه “الخاسر السيء” ..

بقلم: رشيد بلفقيه 
.
ذلك الخاسر الذي لا يتألم من الهزيمة في حد ذاتها، ولكنه يتألم من كونها كشفت ضعفه ووهنه كما قال نيتشه.
ولا شك أن تألمه المشوه يكون مزعجا للجميع، ونشازا لا يمكن تصنيف تأوهاته لا في سياق ولولة النائحة ولا في سياق عويل الثكلى، ولا يجلب على صاحبه سيء الحظ بالإضافة إلى مذلة الهزيمة، سوى مشاعر النفور والتوجس والنظرة المشفقة إن لم نقل الشامتة.
الخاسر السيء لا ينسحب بنبل ليصلح نفسه كما ينبغي له أن يفعل، بل تراه يجهد نفسه، مسخرا ما بقي له من أوراق ليفسد على الآخرين فرحتهم،
وتراه يجهد نفسه ليدمر جمال اللحظة التي يصنعها الآخرون، منساقا خلف ساديته التي تتسلم زمام قيادة شخصيته.
عند الخسارة تبرز طبيعة بعض النفوس، بل النفوس كلها، فالضعيفة منها إذا غُلِبت- كما يقول ابن خلدون- عللت فشلها بالظلم لا بالقصور، قصورها هي وضعفها وعدم قدرتها على تحقيق ذاتها في المسابقة وفق قوانينها المعروفة.
بتتبع مسار مغادرة الفرق الخاسرة وردود أفعالها بدون استثناء تبرز شخصية الخاسر السيء بشكل أكبر، خسرت جزر القمر بنبل وانسحبت بكبرياء، وكذلك فعلت زامبيا ومالي وأنغولا وزيمبابوي وتونس وأوغندا والبنين والسودان الجميل والغابون والموزمبيق وغينيا الاستوائية وبوركينافصو … وغيرهم من الفرق ذات التاريخ الكروي المشرف أو التي تسعى لنقش اسمها بين كبار القارة مستقبلا،
ولكن عندما خسرت الجزائر وقبلها جنوب افريقيا ثم مصر ثارت ثائرة “بعض” العناصر من طاقمهم الفني والتقني، وأقول “بعض” وأسطر عليها احتراما لموقف العديد من المنصفين في صفوفهم، الذين شكروا الجهود المغربية غير المسبوقة في أية نسخة سابقة من نسخ الكأس الإفريقية التي تعودنا فيها على انقطاع الكهرباء عن الملاعب، وعلى هجوم النحل على الجماهير، وتدخل العسكر لتشويه نبل اللعبة، وعلى الملاعب ذات الأرضيات البدائية، والطقس الحار جدا، ووسائل النقل المنهكة، والفنادق غير المريحة و…و…
عندما خسرت هذه الفرق الثلاثة سقط العيش والملح والنبل والأنفة، وبرز الوجه السيء -لدى البعض- مطالبا بصبيانية بحقه في المواساة والطبطبة ومحاولا البقاء تحت بقعة الضوء ولو بلبوس الصبي الغر والمزعج.
ولعله من المضحك المفجع أن يلوم مدرب المنتخب الجنوب إفريقي مثلا الزمن والجمهور لأنهما لم يلائما المبررات التي جهزها هذا الفاشل لتبرير خسارته، بل ويخترع مبررات خيالية من قبيل طول المسافة بين مقر التدريبات ومقر الإقامة.
ولعله أيضا من المضحك جدا أن يخرج فريق لم يستطع شن هجمته الأولى على الفريق الخصم إلا عند حدود الدقيقة الثانية أو الثالثة بعد الثمانين، نتيجة لاختيارات مدرب فاشل، لم يحسن استثمار وجود نجوم في الفريق، ليلوم النموس (في الشتاء القارس) والبنسيون (فندق خمس نجوم مصنف) والطقس والقطار (البراق) الذي يبدو أن لعنة سرعته المشهورة قد نزلت بمسار الفريق داخل هذا الكان.
ولعله من المضحك أن يتضخم الإيغو عند الفريق الجزائري حتى يتخيل أن الفرق المشاركة كلها تكيد له، وتتواطأ من أجل جعله يخسر، وأن شخصا واحدا يمكن أن يتحكم في قرارات الكاف والكان والواف والفيفا و … و… ويجعلهم جميعا يرضخون لرغبته في إسقاط هذا الفريق الساقط أصلا أو ذاك الآيل للسقوط …
خلاصة القول،
الكرة لعبة تفترض وجود رابح وخاسر، والخسارة في كل لعبة شيء عادي ووارد، ولا حاجة للبكاء والعويل وتوزيع التهم لتبرير الخسارة، بل يكفي-في اعتقادي البسيط- أن يبرز الفريق قتاليته واستماته إلى آخر لحظة في الدفاع عن مرماه، وإن قُدّر له السقوط فهي ليست نهاية العالم، لأن المنافسات لن تتوقف، والقادم أجمل … ولو دامت لمتوج ما وصلت لبقية المتوجين ولفقدت اللعبة جماليتها.
لن أضيف إلى ما قيل سوى ما قاله أبو حامد الغزالي “من لم تهذبه المصيبة أفسدته، فصار خاسرا في الدنيا والخلق معا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى