أمريكا … قوةٌ تخيف الضعفاء لكنها تعجز أمام الشعوب
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

كيف تتحدث الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عن الانتصار على إيران، وهما اللذان عجزا عن إخضاع مقاومة محاصرة في غزة تقودها حركة حماس؟
هذا السؤال يفضح الكثير من الأكاذيب التي يروّجها الإعلام الغربي. فالحقيقة أن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع كسر إرادة الشعوب. غزة الصغيرة المحاصرة منذ سنوات، بقلة السلاح والإمكانات، أربكت جيشًا مدججًا بأحدث الأسلحة تدعمه أكبر قوة عسكرية في العالم. فكيف سيكون الحال مع دولة كبيرة مثل إيران؟
إيران ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط، بل دولة بنت قوتها بالعلم والصناعة. جامعاتها ومراكزها العلمية خرّجت آلاف العلماء والمهندسين، واستثمرت في التكنولوجيا والصناعة والبحث العلمي. الدول القوية لا تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل بعدد العقول التي تصنع المستقبل.
أما الولايات المتحدة فليست “صديقة” لأحد كما تحاول أن تظهر. سياستها عبر العالم تقوم على الابتزاز: تحمي الأنظمة الضعيفة مقابل الأموال والصفقات، وتغض الطرف عن الفساد والاستبداد ما دام يخدم مصالحها. واشنطن لا تؤمن بالصداقة، بل تؤمن بمنطق القوة والمصلحة فقط.
والكيان الصهيوني بدوره يعيش على هذا الدعم. فلو رُفعت عنه المظلة الأمريكية يومًا واحدًا فقط، لتغيرت معادلات كثيرة في المنطقة. لقد تحول هذا الكيان إلى قاعدة متقدمة للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، أكثر مما هو دولة طبيعية تعيش في محيطها.
لكن التاريخ يحمل دروسًا واضحة. الولايات المتحدة لم تنتصر في حرب فيتنام، وغادرت أفغانستان بعد عشرين سنة من الحرب، وخرجت من العراق مثقلة بالخسائر. القوة العسكرية وحدها لا تكفي عندما تواجه شعوبًا ترفض الخضوع.
لهذا فإن الحديث عن إخضاع إيران يبدو أقرب إلى حرب نفسية وإعلامية منه إلى حقيقة عسكرية. فالحرب مع دولة بحجم إيران لن تكون نزهة، بل زلزالًا قد يهز المنطقة بأكملها.
المشكلة الكبرى ليست فقط في السياسات الأمريكية أو في أطماع الكيان الصهيوني، بل في واقع عربي وإسلامي منقسم وضعيف، تتصارع فيه الأنظمة بدل أن تبني قوة حقيقية لشعوبها. وفي ظل هذا الضعف تصبح المنطقة مفتوحة لكل أنواع التدخل والهيمنة.
العالم يتغير اليوم. زمن الهيمنة المطلقة يقترب من نهايته، وقوى جديدة تصعد في الساحة الدولية. أما الشعوب، فهي قد تُهزم مؤقتًا لكنها لا تموت، ولا تقبل بالذل إلى الأبد.
التاريخ في النهاية لا يكتبه الأقوياء بالسلاح فقط، بل تكتبه الشعوب بإرادتها وصمودها.
عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي





