أهلُ غزة أمانة والأقصى عقيدة

سلمان بونعمان يكتب :
كان الملثّم يخاطب الأمة بلسانٍ واحد: أهلُ غزة أمانة والأقصى عقيدة. ومع رحيله ينبغي أن يتحوّل النداء إلى عهدٍ وميثاق؛ ميثاق لابد أن يترجم العاطفة إلى خطةِ عملٍ وتجديد فكر ومشروعِ نهوض، ويحوّل الانتظار إلى تكليفٍ ومسؤولية في مواجهة الاحتلال ومقاومة موجات الصهينة التوسعية على كافة المستويات الروحية والفكرية والحضارية.
إن استشهاد الملثّم يوقظ الألم ويبعث الأمل ويستدعي الوفاء؛ إنه وفاءٌ للفكرة الطوفانية مع وعيٍ راسخ بطول الطريق، وفاء للقيم الأصيلة التي استمات من أجلها الشهداء، وفاءٌ للإنسان المرابط على ثغور الوعي والحرية والكرامة بالفعل والموقف والفكر، وفاءٌ للحقيقة والعدل في مواجهة التضليل والإبادة، وفاءٌ لدمع الثكالى وصبر الجوعى وأنين المكلومين، واستمرار في تحصين الجبهة الأخلاقية وحماية السردية الفلسطينية الحقة وحراسة الذاكرة الوطنية، وتفكيك مسالك التواطؤ والخذلان والنسيان.
وحين يرتقي القائد تبدأ ولادةٌ ثانية: تتكوّن ذاكرةٌ جامعة ممانعة، وتتشكل سرديةٌ أخلاقية شاهدة، وينقدح السؤال في ضمير الأمة: كيف يصبح كلُّ فردٍ حلقةً نافعةً في مسيرة التحرّر، وفي دعم الإعمار المادي والفكري والروحي وفي استئناف طوفان الوعي؟

ورحيلُ القائد يضع الأمة أمام امتحانٍ جديد: انتقالُ القضية من ترقّب خطابه إلى صناعة الجواب؛ من متابعة الرموز إلى بناء الطريق الذي رسمته التضحيات. ففي تاريخ الشعوب يتقدّم التحرّر حين يغدو الرمز مدرسةً، وحين تتحوّل المدرسة إلى أمّةٍ موحَّدةٍ ونخب صادقة ومجتمعٍ حيٍّ يراكم أثره يومًا بعد يوم. عندئذٍ يغدو الاستشهاد بوصلةً لتحرير الفكر وغرس العمل، ويصير اسمُ غزة أمانةً حاضرةً في السياسات والبرامج والعقول والوجدان.
المقاومون والشهداء شموع لا تنطفئ، تضيء لنا دروب مسيرتنا، كلما أرجَفَنا الزمن، وتكالب علينا الطغيان والاستكبار، نشتدّ بهم، ننتعش بإرادتهم، نتحدى بإصرارهم، نحيا بسنتهم، كل ذلك بقرار هؤلاء العظماء ومواقفهم، وبقدرتهم على العطاء والصفاء والصمود، العظماء الحاملين مشاعل الأمل والنهوض ورايات الجهاد، والحالمين بحياة حرةّ كريمة لنا ولأجيالنا ولفلسطين، المرتقون عروجاً إلى العلا مؤمنين بما وعدهم ربهم.





