
سعيد عبادي يكتب:
أنا، بيولوجيًا، ابن هذه المنطقة؛ فجذوري تمتد إليها، وأجدادي بعيجيون مئة في المئة. أما من حيث النشأة والتربية، فأنا ابن الدار البيضاء، من مواليد سنة 1968. وفي تلك المرحلة، كانت أحياء كثيرة من الدار البيضاء تشبه، إلى حد كبير، ما نراه اليوم في شوارع وأزقة أولاد فرج الحالية.
لقد شاءت الأقدار أن تتغير أشياء كثيرة في المغرب خلال ما يقارب سبعين سنة من الاستقلال، وأن تنتقل المملكة من مرحلة إلى أخرى، حتى أصبحنا اليوم أمام مغرب مختلف، يعرف أوراشًا تنموية كبرى في مختلف المجالات.
غير أن قرية أولاد فرج، شأنها شأن العديد من القرى والمناطق التي طالها الإهمال واللامبالاة لسنوات طويلة، ما زالت تنتظر نصيبها الكامل من هذه الدينامية التنموية. والمغرب، ولله الحمد، يعيش اليوم مرحلة غير مسبوقة من الأوراش والمشاريع الكبرى، جعلت من مختلف المناطق المغربية مجالًا لتطبيق المخططات التنموية، وتقريب البنيات التحتية والخدمات من المواطنين.
وقد استفادت أولاد فرج، شأنها شأن مناطق أخرى، من بعض ثمار هذه الدينامية، خصوصًا في إطار إعادة تهيئة المغرب والاستعداد للاستحقاقات الكبرى، وفي مقدمتها احتضان كأس العالم 2030. فالمغرب الذي كان بالأمس بلدًا محدود البنيات في كثير من المجالات، أصبح اليوم يتوفر على ناطحات سحاب، وقطارات فائقة السرعة، وحافلات ذات جودة عالية، وطراموايات، وشبكة واسعة من الطرق السيارة، كما استطاع أن يحقق قفزة مهمة في المجال السياحي، متجاوزًا عتبة 17 مليون سائح.
لكننا، ونحن نعتز بما تحقق، لا نعتقد أن ما وصلنا إليه يجب أن يكون نهاية المطاف. بل إننا ننتظر الكثير من المشاريع التنموية لفائدة أولاد فرج ومحيطها، مشاريع لا تقتصر على الطرق والبنيات التحتية، وإنما تمتد إلى الإنسان نفسه، باعتباره أساس كل تنمية حقيقية.
ننتظر مشاريع تغني الساحة الثقافية والفنية والتربوية، وتمنح أبناء المنطقة فضاءات للإبداع والتعلم والتكوين، من قبيل المراكز الثقافية، ودور الشباب، والمرافق الرياضية، والمؤسسات والفضاءات الفنية والتربوية، بما يسمح للأطفال والشباب باكتشاف مواهبهم وتطوير قدراتهم داخل منطقتهم بدل أن يضطروا دائمًا إلى البحث عن هذه الفرص خارجها.
كما أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تكتمل من دون خلق فرص اقتصادية وصناعية. فلماذا لا نفكر، على سبيل المثال، في إقامة مصانع ووحدات إنتاجية متعددة التخصصات في المنطقة، تستفيد من موقعها ومن طاقاتها البشرية؟ فدكالة ليست منطقة تفتقر إلى الكفاءات؛ فأبناء دكالة موجودون في مختلف القطاعات والمهن والتخصصات، ومن بينهم أطر وكفاءات عالية تعمل داخل المغرب وخارجه، وفي الإدارة، والتعليم، والطب، والهندسة، والقانون، والفن، والتجارة والصناعة وغيرها.
إن الاستثمار في المنطقة ليس استثمارًا في الحجر فقط، وإنما هو استثمار في الإنسان الدكالي نفسه؛ في أبنائه وكفاءاته، وفي قدرته على الإبداع والإنتاج والمساهمة في بناء مغرب المستقبل.
ولذلك، فإن طموحنا لأولاد فرج لا ينبغي أن يتوقف عند تحسين الطرق أو الإنارة أو تهيئة الأزقة. طموحنا أن تصبح المنطقة فضاءً اقتصاديًا وثقافيًا وتربويًا وفنيًا نابضًا بالحياة، وأن تتحول مؤهلاتها البشرية والجغرافية إلى رافعة حقيقية للتنمية.
نحن لا نطالب بالمستحيل، وإنما نطمح إلى أن تأخذ أولاد فرج مكانتها التي تستحقها ضمن مغرب جديد يتغير بسرعة. مغرب وصل إلى مشاريع كبرى في المدن والمراكز، وحان الوقت لكي تصل روح هذه الدينامية، بقوة ووضوح، إلى القرى والمناطق التي ظلت لسنوات طويلة تنتظر دورها.
وأولاد فرج، في اعتقادنا، ليست مجرد قرية على هامش الطريق؛ إنها جزء من تاريخ دكالة، ومن ذاكرة أبنائها، ومن مستقبل المغرب. وما ننتظره اليوم هو أن تتحول هذه الذاكرة وهذه الجذور إلى مستقبل أفضل للأجيال القادمة.





