إشاعة بـ3500 درهم … عندما يتحول التضليل إلى عبث بثقة المجتمع رفع تكلفة عقد الزواج نموذجا
بقلمذ. سيداتي بيدا


ليست كل ضجة تُصنع على منصات التواصل الاجتماعي جديرة بالتصديق، وليست كل الأرقام المتداولة بريئة في دلالاتها. فخلف بعض “الأخبار” التي تنتشر كالنار في الهشيم، تختبئ حالة مقلقة من الاستهتار بالعقول، والاستخفاف بوعي المجتمع. ولعل ما تم الترويج له مؤخراً حول رفع تكلفة توثيق عقد النكاح بالمغرب إلى 3500 درهم، نموذج صارخ لهذا الانفلات المعلوماتي الذي يستدعي وقفة حازمة.

لقد وجدت هذه الإشاعة طريقها سريعاً إلى التداول، متسلحة بعنصر الإثارة وسهولة النشر، لتتحول في ظرف وجيز إلى “حقيقة” مزعومة يتناقلها الآلاف دون أدنى تحقق. وهنا مكمن الخطر: حين تُختزل الحقيقة في عدد المشاركات، ويُقاس الصدق بمدى الانتشار، يصبح الزيف أكثر إقناعاً من الواقع.
غير أن هذا العبث لم يدم طويلاً، إذ سارعت الجهات المهنية المختصة إلى تفنيد هذه المزاعم بشكل واضح لا يقبل التأويل، مؤكدة أن التعريفة القانونية لتوثيق عقود الزواج لم يطرأ عليها أي تغيير، وأن كل ما راج لا يعدو كونه محض ادعاء لا سند له من قانون أو واقع. وهو توضيح يعيد الأمور إلى نصابها، لكنه في الوقت ذاته يفضح هشاشة الوعي الرقمي لدى البعض.
إن الخطير في هذه الواقعة ليس فقط ترويج رقم مغلوط، بل ما يحمله ذلك من تداعيات نفسية واجتماعية، حيث يُزرع القلق في نفوس المواطنين، وتُبث الشكوك حول مصداقية المؤسسات، في مشهد يختلط فيه التضليل بسوء النية أحياناً، وباللامبالاة في أحيان أخرى.
إننا أمام ظاهرة تتجاوز حدود الخطأ الفردي، لتلامس مسؤولية جماعية تستوجب إعادة النظر في كيفية استهلاكنا للمعلومة. فالنشر لم يعد فعلاً عابراً، بل أصبح ممارسة ذات أثر، قد تبني وعياً أو تهدم ثقة. ومن هنا، فإن التسرع في تداول الأخبار دون تحقق، ليس مجرد سلوك عفوي، بل مساهمة مباشرة في نشر الفوضى المعرفية.
لقد آن الأوان لفرز حازم بين من ينقل الحقيقة ومن يروج للوهم، بين من يتحرى الدقة ومن يقتات على الإثارة.
فالمجتمع الذي يسمح للإشاعة بأن تقوده، إنما يفتح الباب أمام مزيد من التضليل، ويضعف مناعته أمام كل خبر زائف.
وفي الختام، تبقى الحقيقة ثابتة لا تتغير بضجيج المنصات، ويبقى الوعي هو السلاح الأنجع في مواجهة هذا السيل الجارف من المغالطات. فلا تكن مجرد ناقل، بل كن رقيباً على ما تنشر، لأن الكلمة، حين تنفلت، قد تُحدث من الضرر ما لا يُصلح بسهولة.





