
نعيمة بويغرومني.
في السياسة نختلف، وننتقد، ونعارض، وندافع…لكن أن يخرج علينا من يُفترض أنه “ دكتور ” ليقرر للمغاربة من يستحق الظهور في الإعلام العمومي ومن لا يستحق، فذلك ليس رأيا عابرًا، بل نزعة وصاية مكشوفة، وسقوط صريح في منطق الإقصاء بدل النقاش.
يتحدث وكأن السياسة تضيق به حين يظهر المْختلف، وكأن الإعلام العمومي مؤسسة خاصة يفتح بابها بإشارة منه ويُغلق بإشارة أخرى، لا فضاء وطنيا يُموله جميع المغاربة.
وكأننا أمام عقلٍ يوزّع “الشرعية السياسية” على هواه، فيمنحها لمن يشاء ويحجبها عمن يشاء، ثم يلبس ذلك كله عباءة “الرأي الأكاديمي”.
ويذهب أبعد من ذلك حين يلمّح أو يقرر أن بعض الفاعلين السياسيين لا يستحقون الحضور الإعلامي، متناسياً أن الأمر يتعلق بحزب سياسي دستوري إسمه العدالة والتنمية ولا فخر !
حزب قاد الحكومة لولايتين، وشارك في تدبير الشأن العام، وحظي بثقة ملايين المغاربة في 2011 و2016، وهي معطيات لا تُلغى باندفاعة خطابية ولا تُمحى بنبرة فوقية…..
لكن يبدو أن المشكلة ليست في الوقائع، بل في ضيق الصدر من وجود من لا يمكن التحكم في صوته.
وبكلمة ، حزب العدالة والتنمية الذي يستهدفه الرجل … حزب ينضح بكفاءات وخريجي الجامعات والمعاهد العليا…. ويضم أطراً مهنية وإدارية وأكاديمية وازنة اشتغلت وتشتغل داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
وجوه – وهنا مربط الفرس عند صاحب الصّك المضروب – إن نطقتْ أوجعتْ …وإن ترافعت أقنعت…. ومع ذلك أراد اختزاله ( الحزب ) في صورة نمطية جاهزة، ثم الدفع به إلى الهامش الإعلامي وكأنه “تفصيل زائد” في المشهد السياسي….
أما الجامعة- مشتل الفكرة و حرية الرأي ، ومحضن المعرفة والبحث والحجة-وهو أستاذ بها، فالمفترض أن يكون أول من يستبطن قيمها، فيُستدعى اسمها لتبرير خطاب استعلاء لا ينسجم مع روحها، بينما أبسط ما تعلمناه في الجامعة هو أن العلم مسؤولية لا وسيلة للوصاية، وأن الشهادة لا تمنح أحدًا حق احتقار الناس أو إقصائهم.
وهنا نطرح السؤال المباشر: هل المطلوب هو نقاش سياسي أم فرزٌ مسبق على المقاس لمن يُسمح له بالكلام ومن يُمنع؟ ومن منح هذا الحق أصلاً لهذا ونزعه عن ذاك؟
و بالتبع ، منْ لطالما قدم خطاب “الديمقراطية” في الواجهة، هو اليوم يمارس في العمق عكسها تماما: تضييق على الحضور، ورفض للاختلاف، ومحاولة تحويل الإعلام العمومي إلى مساحة صوت واحد أو أصوات بنبرة واحدة ، لتعزف سنفونية واحدة منتقاة بعناية ، أو لنقل صوت مُفلتر حسب المقاس….وهو ما لا يقبله عقل ولا يستسيغه ذوق …
والمفارقة الصادمة كذلك ، أن من يتحدث باسم الفكر، يتصرف كحارس بوابة، يفتح ويغلق حسب الهوى، وكأن المجال العمومي مزرعة خاصة لا فضاءً مشتركًا.
وبكلمة ،إن أخطر ما يمكن أن يصيب الخطاب العام اليوم هو هذا التحول من نقد الأفكار إلى إقصاء الأشخاص، ومن الاختلاف السياسي إلى توزيع “صكوك الظهور” في الإعلام العمومي.
وأخطر منه ،أن يظن صاحب الشهادة العليا أن درجته العلمية تمنحه سلطة احتقار الآخرين أو تحديد شرعيتهم في الفضاء العمومي، بينما العلم الحقيقي هو ما يوسع الأفق لا ما يضيقه.
ولمن امتلك جرأة حوراء وهو على كرسي دافئ في منصة مزينة بمكبرات صوت زرقاء وحمراء وسوداء وبيضاء… نقول:
“الإعلام العمومي ليس ملكًا للأوصياء، بل ملك لجميع المغاربة، بلا استثناء ولا وصاية، وحزب العدالة والتنمية ليس تفصيلا زائدا في المشهد السياسي حتى ترفع في وجهه ” الفيتو””
وبالتبع ،من لا يحتمل صوتا مخالفا على شاشة عمومية، فالمشكل ليس في الصوت… بل في هشاشة القناعة، وضيق الأفق، وعجز الفكرة عن مواجهة الفكرة.
وبه وجب الإعلام والسلام٪





