الانتخابات المحلية بفلسطين.. اعتراضات قانونية وتراجع المنافسة قبل فتح مكاتب الاقتراع

الضفة الغربية (خاص)
حتى قبيل ساعات من فتح مكاتب الاقتراع أمام المشاركين في الانتخابات المحلية التي ستجري يومه السبت، ما تزال الساحة الفلسطينية تشهد جدلاً واسعاً في ظل اعتراضات قانونية وسياسية متصاعدة على التعديلات الجديدة في قانون الانتخابات، خاصة ما يتعلق بشرط الإقرار بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، الذي سبق وأن تقدم نشطاء ومرشحون بطعونات أمام المحكمة الدستورية، معتبرين أن هذا الشرط يشكل انتهاكاً لمبدأ التعددية السياسية وحرية الترشح.
ويرى المستشار القانوني لائتلاف النزاهة والمساءلة “أمان” بلال البرغوثي في حديثه لـ”قدس برس” أن هذا الشرط أسهم في غياب التنافس في مدن كبرى مثل رام الله ونابلس، حيث فازت القوائم فيها بالتزكية، ما يعكس تراجعًا في مستوى التنافس الديمقراطي.
وأوضح أن نسبة التزكية في الانتخابات الحالية بلغت نحو 60%، مقارنة بـ50% في الانتخابات السابقة، معتبرا أن هذا “الشرط الإقصائي”، الذي تم التحذير منه منذ إقراره، أضر بالمنافسة ونزاهة العملية الانتخابية.
وأضاف البرغوثي أن من شروط نزاهة الانتخابات، بما فيها المحلية، حياد المؤسسة الرسمية، معتبرًا أن وجود شخصيات رسمية ضمن القوائم يمثل انحيازًا واضحًا وتسخيرًا لمقدرات الدولة باتجاه معين، ويمس بحياد المؤسسات. مشيرا إلى أنهم رصدوا عدة تجاوزات قانونية، من بينها استخدام مركبات حكومية وقاعات رسمية، بما في ذلك قاعات تابعة لمكتب الرئاسة الفلسطينية، في الدعاية الانتخابية.
غياب المنافسة:
وفي تغريدة له، قال عضو لجنة الانتخابات المركزية سابقاً حسن أبو لبدة إن غياب المنافسة في عدد من الهيئات المحلية، واعتماد مبدأ “التزكية”، يُعدّ مساساً جوهرياً بالعملية الديمقراطية، ويُفقد المواطنين حقهم في اختيار ممثليهم ومحاسبتهم.
وأكد أن التجربة الحالية، التي شهدت تشكيل مجالس بلدية عبر توافقات مغلقة، أفرزت هيئات لا تستند إلى تفويض شعبي مباشر، بل إلى ترتيبات داخلية لا تعكس بالضرورة إرادة المواطنين، مشيراً إلى أن هذه المجالس “لا تشبه الناس ولا تمثلهم بالشكل الحقيقي”.
وأوضح أن من شأن هذه الممارسات أن تُضعف مبادئ الحوكمة والشفافية، وتحدّ من قدرة المواطنين على المساءلة، في ظل غياب العلاقة التمثيلية القائمة على الانتخاب، واستبدالها بعلاقة “رضى” مع الجهات التي قامت بتشكيل القوائم.
اختباراً مصيرياً لفتح
بدوره، قال الكاتب الحقوقي صلاح الدين موسى إن الانتخابات المحلية المقررة، تُعد مسألة مصيرية بالنسبة لحركة فتح الرسمية، في ظل ظروف استثنائية قد تجعلها “آخر انتخابات تُجرى في الضفة الغربية خلال المرحلة الراهنة”، ما يرفع من مستوى الرهانات السياسية والتنظيمية المرتبطة بها.
وأضاف موسى أن خشية الحركة تنبع من احتمال أن تؤدي نتائج الانتخابات، في حال خسارتها أمام قوائم محسوبة عليها، إلى تقويض شرعية الجهات التي أشرفت على تشكيل القوائم الرسمية، مشيراً إلى أن ذلك دفع فتح إلى بذل جهود كبيرة لتحقيق توافقات محلية تضمن استمرار سيطرتها على الهيئات المحلية، خاصة في ظل الحديث عن دور البلديات كبديل إداري محتمل لإدارة شؤون المواطنين.
وأكد أن الانتخابات كشفت عن تمرد داخلي واضح، حيث رفض عدد من المرشحين قرارات القيادات المحلية وخاضوا الانتخابات خارج الأطر الرسمية، معتبراً أن هذا السلوك يعكس صراعات أعمق داخل مستويات عليا في الحركة.
وأشار موسى إلى أن بعض أعضاء اللجنة المركزية أبدوا تشدداً تجاه أي دعم لقوائم غير رسمية، لافتاً إلى أن هذه المواقف قد تترتب عليها تداعيات تنظيمية بعد انتهاء الانتخابات.
وأوضح أن المشهد الانتخابي عزز في بعض المناطق البعد العائلي، بينما أدى في مناطق أخرى إلى تفكيكه، ما يعكس حالة من التشظي المجتمعي قد تؤثر على نسب المشاركة، بين انخفاض في بعض المواقع وارتفاع في أخرى.
وأضاف أن الانتخابات عكست أيضاً حالة من الاحتقان الداخلي، حيث شهدت بعض المدن توتراً وتراشقاً بين المرشحين، وصل إلى حد توجيه تهديدات لوسائل إعلام محلية بسبب تنظيم مناظرات انتخابية.
وأكد موسى أن ما يجري يشير إلى انتقال الصراع الفتحاوي من الإطار التنظيمي إلى تشكيل نوى نفوذ اجتماعية واقتصادية جديدة، قد تمهد لتغييرات أوسع مستقبلاً، سواء داخل الحركة أو في البنية المحلية.
بلغة الأرقام:
ومن المقرر أن يتوجه، صباح غد السبت نحو مليون و30 ألف فلسطيني في الضفة الغربية، منهم 70,449 ناخبًا وناخبة في دير البلح وسط قطاع غزة، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب ممثليهم في 183 هيئة محلية من أصل 420.
وتُجرى الانتخابات في 90 مجلسًا بلديًا، من بينها دير البلح في غزة، تتنافس فيها 321 قائمة انتخابية تضم 3,773 مرشحًا، بينهم 2,573 ذكرًا و1,200 أنثى، فيما تتصدر النساء 8 قوائم. وتمثل القوائم الحزبية 12%، مقابل 88% للمستقلين. كما تُجرى في 93 مجلسًا قرويًا، يتنافس فيها 1,358 مرشحًا، بينهم 1,049 ذكرًا و309 إناث.
ووفق معطيات لجنة الانتخابات المركزية، فإن عدد الهيئات المحلية التي ستُشكّل مجالسها بالتزكية بلغ 42 مجلسًا بلديًا و155 مجلسًا قرويًا.
وتُجرى انتخابات الهيئات المحلية لعام 2026 وفق قانون الانتخابات الجديد الصادر في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، والذي اعتمد نظامين انتخابيين: نظام التمثيل النسبي (القائمة المفتوحة) للمجالس البلدية، ونظام الأغلبية (الترشح الفردي) للمجالس القروية.
وبموجب القانون، يتم الترشح في المجالس البلدية ضمن قوائم مفتوحة، ويُدرج في ورقة الاقتراع اسم القائمة الانتخابية وأسماء مرشحيها، على أن يساوي عدد مرشحي القائمة عدد مقاعد المجلس البلدي. ويختار الناخب قائمة واحدة وخمسة مرشحين أو أقل من داخلها.
وتُخصص المقاعد للقوائم التي تحصل على 5% أو أكثر من الأصوات الصحيحة (نسبة الحسم)، وتُوزع وفق طريقة “سانت لاغو”. ثم تُوزع المقاعد على مرشحي القائمة بحسب عدد الأصوات التي حصل عليها كل مرشح، مع مراعاة تمثيل المرأة والكوتا الإسلامية–المسيحية.
أما في المجالس القروية، فيتم الترشح بشكل فردي وفق نظام الأغلبية، وتُرتب أسماء المرشحين في ورقة الاقتراع حسب أسبقية الترشح. ويختار الناخب خمسة مرشحين أو أقل، وتُوزع المقاعد على أساس عدد الأصوات تنازليًا، مع مراعاة تمثيل المرأة والكوتا الإسلامية–المسيحية.





