الجديدة بين “التنمية الافتراضية” وصدمة الواقع: عندما يحجب “فيسبوك” المنتخبين أنين عاصمة دكالة

تعيش مدينة الجديدة (عاصمة دكالة) في الآونة الأخيرة على وقع مفارقة صارخة تثير الكثير من الاستياء والتساؤلات بين ساكنتها. مفارقة بطلها فضاءان متناقضان تماماً: فضاء افتراضي على منصات التواصل الاجتماعي يعج بتدوينات الاستعراض وبلاغات “الإنجازات” التي يسطرها بعض منتخبي المجلس الجماعي، وفضاء واقعي ملموس يئن تحت وطأة إهمال تنموي وبنية تحتية كارثية لا تخطئها عين الزائر قبل المديّني.
ولم يعد خافياً على تتبعي الشأن المحلي بالجديدة أن عدداً من مدبري الشأن العام بالمدينة قد نقلوا ثقل عملهم من الميدان إلى شاشات الهواتف الذكية. تدوينات يومية، صور اجتماعات “مثمرة” في قاعات مكيفة، وشعارات رنانة تعد بـ”غد أفضل” وبمشاريع سياحية وبيئية واعدة. لكن هذا “العام الزين” الرقمي سرعان ما يتلاشى بمجرد أن يطأ المواطن الجديدي قدمه خارج عتبة بيته، ليصطدم بواقع مغاير تماماً، يؤكد أن الفجوة بين لغة الوعود وحقيقة الإنجاز قد بلغت مديات غير مسبوقة.
وأولى ملامح هذا التناقض الصادم تتجلى في ملف النظافة والبيئة؛ فالمدينة التي كانت بالأمس القريب قبلة سياحية وطنية، باتت اليوم تعيش وسط تلال من النفايات المنزلية المتراكمة في جل الأحياء، بما فيها الشوارع الرئيسية والمناطق المحاذية للشاطئ. انبعاث الروائح الكريهة وتأخر الشركات المفوض لها القطاع أصبح خبراً يومياً، وسط صمت مطبق وغياب تام لآليات المراقبة والمحاسبة المفترضة من طرف المجلس البلدي.
أما البنية التحتية والشبكة الطرقية، فقد تحولت إلى مادة دسمة للتندر والتهكم الأسود من طرف الساكنة على مواقع التواصل. شوارع مهترئة، وحفر عميقة أشبه بـ”الأخاديد” ألحقت أضراراً بليغة بالسيارات وعرقلت حركة السير، ناهيك عن تحول المدينة مع أولى الزخات المطرية إلى برك مائية معزولة بسبب اختناق مجاري الصرف الصحي، يضاف إلى ذلك ظلام دامس يلف العديد من الأحياء نتيجة غياب الصيانة لشبكة الإنارة العمومية، مما يهدد سلامة المواطنين وأمنهم.
ولا يتوقف النزيف عند هذا الحد، فالزائر لمدينة الجديدة يصطدم أيضاً بفوضى عارمة لاحتلال الملك العمومي. أرصفة مستباحة بالكامل من طرف المقاهي والمحلات التجارية و”الفراشة”، مما يضطر الراجلين، ومن بينهم أطفال ومسنون، للمشي وسط قارعة الطريق ومزاحمة السيارات في مشهد يسيء بشكل بليغ لجمالية المدينة. وفي المقابل، تعيش المساحات الخضراء والحدائق التاريخية بالمدينة (وفي مقدمتها حديقة الحسن الثاني) حالة من الموت السريري بسبب الإهمال والتحلل، لتتحول من فضاءات للترويح عن النفس إلى أطلال موحشة.
وأمام هذا الوضع القاتم، يتساءل الرأي العام المحلي بالجديدة: إلى متى سيستمر هذا الهروب إلى الأمام؟ وأين هي الوعود الانتخابية التي قُطعت للساكنة؟ إن استمرار بعض المنتخبين في نهج سياسة “النعامة” والاكتفاء بالتجييش الرقمي لن يغير من حقيقة أن المدينة تعيش ركوداً تنموياً واقتصادياً خانقاً. فالواقع لا يمكن تجميله بـ”فلاتر” الفيسبوك، والمواطن اليوم لم يعد يثق بالبلاغات الإنشائية، بل يطالب بنزول المسؤولين من أبراجهم العاجية إلى الميدان، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لإنقاذ عاصمة دكالة قبل فوات الأوان.





