الواجهةمجرد رأي

الحداثة و حزب الاصالة و المعاصرة

محمد الشرقاوي 

كان شارل بودلير ( Charles Baudelaire-  1867-1821) أوّل من بلور مصطلح الحداثة (modernité) للدلالة على التجربة العابرة للحياة في المدن الكبرى، ومسؤولية التعبير الفني في تجسيد تلك التجربة. وهو اليوم يترنّح في قبره كلّما تمّ علك مفهوم “الحداثة” في الخطاب العام المغربي بعد الانتخابات. ولا يبدو أنه وليد تأصيل فكري على يد نخبة حضرية من الرباط أو الدار البيضاء أو فاس أو مراكش.

لا يستقيم منطق التحليل عندما يلوّح حزب PAM بأنه “حداثي”، ويعزو فوزه الانتخابي إلى تأييد ثلثي مناصريه من سكان البوادي. وهو خطاب يتعارض مع قاعدة ثقافية سياسية بأن سكان الحواضر هم تاريخيا من يعتنقون الحداثة، فيما يكون سكان البوادي من أنصار المحافظة.

يتمّ العبور عادة إلى حقبة الحداثة من خلال ثقافة التنوير التي لا يمكن الاعتداد بوجودها في بلد لاتزال الأمية اللغوية، ناهيك عن الأمية السياسية، تعشش بنسبة 70 في المئة بين مجموع السكان. وينبغي التذكير بأن للخطاب الفلسفي للحداثة أصولا في اعتقاد فلسفة التنوير بأن النظام الاجتماعي يمكن تبريره وإضفاء الشرعية عليه بشكل عقلاني، من حيث ادعاءات العقل وحده، كما يقول الراحل يورغن هابرماس.

لم يقدّم حزب PAM وبقية الأحزاب التي تلوح بكلمتي “حداثة” و”حداثي” تصوّرا مغربيا أصيلا من بنات مثقفي الحزب حتى لا نقول “منظري” الحزب. ويتذكر قدماء أعضاء الحزب عام 2008 كيف قرر عبد الله العروي عدم حضور اجتماع تحضيري للانتقال من مشروع “الحركة”إلى مشروع “الحزب”.

يعتدّ هذا الحزب بأنّ مشروعه السياسي يقوم على “المزاوجة بين الأصالة بما تحمله من قيم وهوية راسخة في التاريخ المغربي، والمعاصرة بما تعنيه من انفتاح على قيم الديمقراطية، الحداثة، وحقوق الإنسان الكونية.” هذه صيغة توفيقية بين تيارين فكريين متقابلين وليسا قالبين للانصهار فيما بينهما بسبب علاقة التنافس ونزعة الغلبة، وليس علاقة الانصهار والتكامل. وتصحّ هذه الملاحظة بعدة مؤشرات من أهمها كيف يقف الحزب من مسألة الدين وهو يطمح للقضاء على التيار الإسلامي، ولا يمكن تحويل المغرب بين عشية وضحاها إلى دولة علمانية أو لائكية، في ظل تمسك الحزب بفرنسا الأم وفرنسا التي يختزل فيها نظرته إلى العالم.

عندما يتمّ التصوير التضخيمي لاحتفالية فاطمة الزهراء المنصوري “أول رئيسة حكومة” في تاريخ المغرب وأنها “فتح حداثي”، فإن البعد الرمزي لا يؤسس بالضرورة شرعية الحداثة التي تستدعي معايير موضوعية تحدث في الواقع. وحتى الاستثمار في خطاب “نسوية” أو “النوع الاجتماعي” أو “جندرة” رأس العمل الحكومي لا يثير إعجاب النخب السياسية والثقافية في العواصم المؤثرة في العالم والتي تدرك كيفية صناعة القرار وتراتبية السلطة ودور المؤسسات بين ما هو معياري في نصوص الدستور وما هو واقعي حسب أعراف الممارسة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى