
بعد طول انتظار ، وبعد ترقب شديد ، خرجت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى العلن ، تضم أربعة أحزاب ، مشكلة من حزب الأصالة والمعاصرة ، وحزب الاستقلال ، وحزب الاتحاد الاشتراكي ، وحزب التقدم والاشتراكية .
الملاحظة الأولى في هذه الخلطة السياسية هي : محاولة الوفاء لخط الأصالة والمعاصرة كتوجه سياسي ، أي حزب من الأصالة هو حزب الاستقلال ، وحزبين من المعاصرة أي التوجه الحداثي المكون من حزبي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية ، وطبعا بينهما الحزب الرئيس القائد للحكومة، صاحب المزج بين الأصالة والمعاصرة ، حزب الأصالة والمعاصرة نفسه ؛ وكأن هذه الخلطة العجيبة جاءت لتجيب على التوجه السياسي الذي يقود الحكومة ، من أجل البحث عن صرح إيديولوجي سياسي حداثي ومحافظ في نفس الوقت ؛ لتبرير الأساس الذي قام عليه منذ التأسيس ، ألا وهو خلق دينامية سياسية في المجتمع تقوم على المزج الغريب بين مفهومين متباعدين وحتى لا أقول متناقضين : مفهوم المحافظة والأصالة ، ومفهوم الحداثة والمعاصرة…
هذه النظرة التي يحاول هذا الحزب الهجين إقناعنا بها لا تتسق بتاتا بين واقعه المزري على المستوى السياسي التدبيري ، وبين شعاراته وخطاباته الرنانة التي يشنف أسماعنا بها ، فالحزب ومنذ مرحلة التأسيس أعلن صراحة أنه جاء ليقف سدا منيعا في وجه حزب العدالة والتنمية ، الذي هو حزب محافظ يجسد بحق مفهوم الأصالة في كل خطاباته وشعاراته وممارساته السياسية ، ليس هذا فقط بل حتى المنتسبين له أو المتعاطفين معه من أبناء الشعب المغربي يجسدون ذلك في أخلاقهم وسلوكياتهم وتصورهم عموما للعمل السياسي والاجتماعي والتربوي … إذن فلماذا أعلن حزب الأصالة والمعاصرة معاداته لهذا الحزب منذ الوهلة الأولى ، وهو منسجم مع شق من توجهه الإيديولوجي وهو : الأصالة ؟!!…هذا تناقض يدعو بحق إلى التساؤل : هل فعلا جاء هذا الحزب ليجسد مفهوم الأصالة في المجتمع كما يدعي ، أم جاء لغرض آخر لاعلاقة له بالعمل السياسي النظيف ، ألا وهو محاربة حزب وطني له امتداد شعبي قل نظيره في الأحزاب الأخرى ” حزب العدالة والتممية “؟!!!
هذا عن محاولة فهم الخط الإيديولوجي الذي تتبناه هذه الحكومة الجديدة ، وعلى وجه التحديد الحزب الرئيسي فيها : حزب الأصالة والمعاصرة…السؤال الآن ماذا تريد هذه الحكومة من المغاربة ؟ وبعبارة أدق ماذا يريد حزب الأصالة والمعاصرة من المغاربة في الخمس سنوات القادمة؟
قبل محاولة الإجابة على هذا السؤال المركزي ، نرجع إلى الوراء قليلا ، وبالتحديد للحكومة المنتهية ولايتها حكومة عزيز أخنوش ، ونحاول فهم أهم العاهات المستدامة التي تركتها هذه الحكومة على جيوب المغاربة ، بل على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للبلاد بصفة عامة ، لنرى كيف استفردت سياسة الافتراس والجشع وتضارب المصالح وتوطين مفاهيم : “المحسوبية ، واعطيني نعطيك ، والكولسة وإفشاء السر المهني للمقربين والأصدقاء ، وضرب عمق نبل العمل السياسي”… لنرى أن الجانب الاقتصادي تم ضربه وبنجاح لصالح فئة قليلة كرست التمايز المجتمعي بين طبقة الفقراء الشاسعة، وطبقة الأغنياء المحظوظة الجاثمة على قلوب المغاربة ، والتي سخرت كل القوانين والتشريعات القانونية وغير القانونية ، لتمتص دم المغاربة بكل برودة وانتشاء ….
إذن تمت المهمة بنجاح على المستوى الاقتصادي الذي دمر الوضع الاجتماعي ، ولعل خروج حركة Z والهروب الجماعي لمدينة سبتة السليبة إلا خير شاهد على ذلك ، السؤال الآن ماذا بقي لتكتمل الصورة مع هذه الحكومة ؟؟؟ بعد إنهاك الوضع الاقتصادي وتردي الوضع الاجتماعي، بقي جانب مهم في حياة المغاربة وهو جانب القيم والانتماء للأمة الإسلامية العربية. التي لم تفلح الحكومة السابقة في زعزعته ، فجاءت هذه الحكومة لتنبش فيه لعلها تصيب الهدف، وتعزل المغاربة أو على الأقل جزء كبير منهم عن قيمهم الراسخة، وعن دينهم الإسلام المتمثل في مدونة الأحوال الشخصية، وبعض التعاليم الأخرى في جانب المعاملات، باسم الحداثة والمعاصرة، وهنا يمكننا فهم بقاء وزير العدل السابق في منصبه رغم الانتقادات الشديدة، والملاحظات السلبية، التي سجلت عليه في تسيير خبايا أهم وزارة على الإطلاق : وزارة العدل، وكذلك من هنا نفهم لماذا تمت الاستعانة بحزبين يساريين : الاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية لأداء المهمة بنجاح، ودائما باسم الحداثة والمعاصرة، وكيف مثلا لم يتم إشراك حزب الحركة الشعبية في الحكومة، وتم فقط الاكتفاء بالحزبين ” اليساريين السابقين ” ، أما حزب الاستقلال ومنذ القديم فهو حزب يؤتى به لشهادة الزور وتلميع صورة الجهاز التنفيذي باسم المحافظة والأصالة ، وخير دليل على ذلك تنصله السريع في تحمل مسؤوليته عما جرى في الحكوممة السابقة ، وإدارة وجهه على الفور لكل التزاماته السابقة … إذن المعركة القادمة هي معركة قيم ومعركة ثوابت أريد لها زعزعتها؛ لإرضاء أطراف خارجية هي الآن تتلمس طريقها نحو مجتمعنا الأبي، بخطى هادئة ومدروسة، فهل تنجح في مهتمها ؟ هذا ماستنبئنا عنه الخمس سنوات القادمة …





