توصل موقعنا بمذكرة حزب العدالة والتنمية حول مشاريع القوانين الانتخابية المعروضة على البرلمان.
ونبسطها للقراء و عموم المواطنين قصد الاطلاع عليها .
نص المذكرة
مقدمة:
أكد جلالة الملك محمد السادس أعزه الله في خطاب العرش يوم 29 يوليوز 2025، على ضرورة توفير المنظومة العامة، المؤطرة لانتخابات مجلس النواب، وأن تكون معتمدة ومعروفة قبل نهاية السنة الحالية، وأعطى في هذا الصدد توجيهاته السامية لوزير الداخلية ، من أجل الإعداد الجيد، للانتخابات التشريعية المقبلة، وفتح باب المشاورات السياسية مع مختلف الفاعلين.
وتنفيذا لهذه التوجيهات السامية شارك حزب العدالة والتنمية إلى جانب باقي الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، في اجتماع أولي مع وزير الداخلية خلال شهر غشت الماضي، حيث تم الاتفاق على أن تقوم الأحزاب السياسية بموافاة وزارة الداخلية باقتراحاتها المتعلقة بالمنظومة العامة لانتخابات مجلس النواب لسنة 2026 قبل حلول شهر شتنبر المنصرم.
وقد بادر حزب العدالة والتنمية إلى إرسال مذكرته إلى وزارة الداخلية وتقديم تصوره الكامل للاقتراع التشريعي المزمع تنظيمه سنة 2026، وهي المذكرة التي سبق أن قدم الحزب مضامينها في ندوة صحافية يوم 29 غشت الماض ي.
وخلال شهر شتنبر الماض ي، عقد لقاء مع ممثلي الحزب اجتماعا مع وزير الداخلية ومسؤولي الوزارة حيث قاموا بتقديم وتفسير مقترحات الحزب في جو تميز بالصراحة والوضوح بهدف الوصول إلى تعديلات نوعية وتوفير إطار قانوني يضمن إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة ومحاربة الفساد والإفساد الانتخابي. كما تم عقد لقاء جماعي مع الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان لإطلاعهم على التوجهات العامة التي تم استخلاصها من مختلف الاقتراحات والملاحظات التي تقدمت بها هذه الأحزاب .
وقد أكد حزب العدالة والتنمية على أهمية الأهداف النبيلة التي تسعى مشاريع التعديلات إلى تحقيقها ،ولاسيما الأهداف المتمثلة في إرساء القواعد الكفيلة بتخليق الحياة السياسية والانتخابية الوطنية بكيفية نهائية، وتعزيز تمثيلية النساء والشباب داخل المؤسسة التشريعية، وتوفير المناخ الملائم لتحقيق نسبة مشاركة مقبولة ومشجعة في الاقتراع، لإفراز مؤسسات قادرة على رفع التحديات الكبرى المطروحة على بلادنا والاستجابة لتطلعات مختلف فئات وشرائح المجتمع المغربي .
وعلى ضوء هذه المشاورات واستحضارا لمقترحات الحزب في مذكرته الأولى المقدمة لوزير الداخلية والرامية إلى توفير شروط انتخابات حرة ونزيهة وشفافة بما يسهم في تعزيز الاختيار الديمقراطي وترسيخ الثقة في المؤسسات المنتخبة ،تأتي هذه المذكرة لتعبر عن موقف حزب العدالة والتنمية من التعديلات الواردة أساسا في مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بتغيير وتتميم القانون التنظيمي لمجلس النواب رقم 27.11، ومشروع القانون رقم 55.25 المتعلق بتغيير وتتميم القانون 57.11 بشأن اللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف المعلنة.
وإذا كانت بعض مقترحاتنا قد لقيت استجابة ضمن مشاريع القوانين التي أحالتها الحكومة على البرلمان، فإن بعض المقترحات الأساسية لم تتم الاستجابة لها ومن ضمنها تلك المتعلقة بالعدول عن القاسم الانتخابي الحالي وكذا إعادة العمل بنظام العتبة، كما أن بعض التعديلات الواردة في المشاريع لم تعرض أصلا على ممثلي الحزب أثناء المشاورات ولم تتح للحزب فرصة التعبير عن موقفه منها خلال المشاورات .
وستعرض هذه المذكرة أهم ملاحظات الحزب على هذه المشاريع، في تفاعل مع المقترحات الواردة في مذكرة الحزب الأولى. وتنطلق هذه الملاحظات من المرجعيات التي استندنا إليها في المذكرة الأولى، ومن إيماننا العميق بضرورة تخليق الحياة العامة بشكل عام والممارسات الانتخابية بشكل خاص، ولذلك خصصت مقترحاتنا حيزا هاما لموضوع التخليق لم يتم الاستجابة لمعظمها، وتم حصر موضوع التخليق ضمن مقاربة زجرية وعقابية وليس ضمن مقاربة وقائية وتدخلية استعجالية كما طالب بذلك حزب العدالة والتنمية، وهو ما جعل بعض التعديلات تسقط في تعارض مباشر مع الدستور ومع قرارات القضاء الدستوري ومع الممارسات الفضلى الجاري بها العمل في التجارب المقارنة لمحاربة الفساد ا لانتخابي .
وتتضمن هذه المذكرة المحاور التالية:
I. رؤية حزب العدالة والتنمية لتخليق الحياة الانتخابية
II. ملاحظات الحزب على مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25 يقض ي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب III. ملاحظات الحزب حول مشروع القانون رقم 55.25 يقض ي بتغيير وتتميم القانون رقم
57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية.
I. رؤية حزب العدالة والتنمية لتخليق الحياة الانتخابية
تقوم رؤية حزب العدالة والتنمية لتخليق الحياة الانتخابية، كما ورد في مذكرته الأولى على إعادة الاعتبار لجوهر العملية الديمقراطية عبر ضمان نزاهة التنافس ، وشفافية التمويل ، وحياد الإدارة، وتجويد الترشيحات، ومحاربة الإفساد الانتخابي. ويمكن تلخيص عناصرها في المحاور الآتية:
1( تخليق الإطار السياس ي العام
استكمال الانفراج الحقوقي كمدخل لاستعادة الثقة والرفع من المشاركة السياسية، خصوصا بعد مبادرات العفو الملكي التي أعادت الطمأنينة للفضاء العام.
اعتماد ميثاق شرف بين الأحزاب ووزارة الداخلية لمنع تزكية “الكائنات الانتخابية” ومحاربة استعمال المال وشراء الذمم.
فتح نقاش سياس ي عمومي عبر الإعلام العمومي والخاص يضمن الولوج العادل لتيارات الرأي ويشجع الثقافة الديمقراطية.
2( تعزيز حياد الإدارة ونزاهة الإشراف على الانتخابات
التشديد على الحياد التام والإيجابي لوزارة الداخلية وقطع العلاقة مع أي شكل من أشكال التوجيه أو الضغط على المرشحين والناخبين، باعتبارها الجهة المسؤولة عن النزاهة الشاملة للعملية الانتخابية.
توسيع دور السلطة القضائية في كل مراحل العملية الانتخابية عبر آليات المراقبة والزجر، وتمكين القضاة من الوسائل اللوجستية، وتلقي الشكايات عبر خطوط مباشرة لمكافحة استعمال المال والمخالفات الانتخابية .
3( تخليق الترشيحات وتشجيع ترشيح النساء والشباب
تنقية اللوائح من أصحاب السوابق والحالات التي تمس الأهلية الانتخابية وإدراج الأحكام النهائية في السجلات العدلية لمنع التحايل القانوني.
تشجيع ترشيح النساء والشباب عبر تحفيز مالي للمرشحين الذين يترأسون لوائح حزبية محلية أو وطنية .
4( محاربة الفساد الانتخابي واستعمال المال
الرفع من مستوى يقظة القضاء والإدارة في مراقبة مصادر وأحجام تمويل الحملات الانتخابية، والتصدي للمال المشبوه والرشاوى الانتخابية، وتجريم تسلم أي هبات أو مساعدات مقابل التصويت.
منع استغلال برامج الدعم الاجتماعي والمعطيات الشخصية للضغط على الناخبين.
ضبط استعمال إمكانيات الدولة والجماعات الترابية خلال الحملات، والتدخل الفوري للمنع والزجر.
5( تخليق الحملات الانتخابية وضبط الفضاء العمومي
توسيع فضاءات الحملة الانتخابية على أساس “الأصل في الأشياء الإباحة” مع استثناء المواقع الحساسة فقط، بما يعزز تكافؤ الفرص بين المرشحين.
إلزام الحملات الرقمية الممولة بالتصريح المالي عنها واعتبارها جزءا من نفقات الحملة الخاضعة للسقف القانوني، ضماناً للشفافية وقطعاً مع الحملات غير المنضبطة.
وقف الظهور الإعلامي للمسؤولين الحكوميين المرشحين بمجرد إعلان ترشيحهم.
6( شفافية العمليات اللوجستية والإجرائية
ضمان التسليم الفوري للمحاضر لممثلي المرشحين، مع الرفع من العقوبات المترتبة عن الامتناع عن التسليم، واعتبار عبء الإثبات على رئيس المكتب.
تجريم رفض تضمين ملاحظات المراقبين في المحاضر.
توحيد آجال التقادم للجرائم الانتخابية ورفعها لضمان عدم الإفلات من العقاب .
تمكين الأحزاب من اللوائح الانتخابية في صيغ قابلة للمعالجة المعلوماتية، ونشرها للعموم لتعزيز الرقابة الشعبية .
7( تخليق منظومة التمويل الانتخابي
• ضمان شفافية التمويل عبر:
استرجاع الضريبة على القيمة المضافة المتعلقة بالحملات.
السماح بتمويل إعداد البرامج الانتخابية والطعن الانتخابي من الدعم العمومي .
رفع سقف النفقات الصغرى المصرح بها بوثائق داخلية، وتكفل الدولة ببعض النفقات الأساسية للعملية الانتخابية.
8( ضمان شفافية النتائج
• النشر الفوري والشفاف للنتائج عبر المنصات الرسمية مع تفصيل الأصوات والناخبين والمشاركة والدائرة، وتسليمها للأحزاب بصيغة إلكترونية قابلة للمعالجة.
والخلاصة، تقوم عناصر تخليق الحياة الانتخابية كما قدمتها المذكرة الأولى لحزب العدالة والتنمية، على ثلاث ركائز كبرى:
ضمان نزاهة التنافس السياس ي عبر حياد الإدارة، وتوسيع دور القضاء، ومحاربة الإفساد المالي.
تجديد النخب ورفع جودة التمثيل من خلال شروط صارمة للترشيح ودعم حضور النساء والشباب.
تعزيز الشفافية الشاملة في الحملات، والتمويل، وإعلان النتائج ،وتدبير اللوائح والمحاضر .
وتمثل هذه العناصر مجتمعة رؤية الحزب لإعادة الثقة في العملية الانتخابية وإرساء ثقافة ديمقراطية قائمة على المسؤولية والنزاهة وسيادة القانون، وبالتالي فإن تخليق الحياة الانتخابية يمر عبر الإصلاح الشامل للمنظومة الانتخابية لتوفير كل الضمانات والآليات القانونية والمؤسساتية والتقنية بما يمكن من إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة تعبر عن الإرادة الشعبية وتفض ي إلى اختيار مؤسسات منتخبة قوية وذات مصداقية تتحمل المسؤولية السياسية وتمتلك مشروعية التمثيل الديمقراطي، وتعيد الثقة في المؤسسات والعمل السياس ي، وتقطع بشكل نهائي مع الإفساد الانتخابي وأثرهما على الاستقرار الاجتماعي وعلى تحقيق التنمية .
II. ملاحظات الحزب على مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25 يقض ي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب
إبقاء المشروع الحالي على القاسم الانتخابي الحالي في صيغته الغريبة وغير الديمقراطية
لقد أبقى مشروع القانون التنظيمي على المادة 84 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، في صيغتها الحالية، أي باستخراج القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في الدائرة الانتخابية المعنية ،عوض عدد الأصوات الصحيحة المعبر عنها.
وهو قاسم انتخابي غريب يخالف جوهر مبدأ الديمقراطية التمثيلية، ولا يطبق في أي مكان آخر في العالم، ويتعارض مع حقيقة وجوهر نظام التمثيل النسبي، ويخالف قواعد الإنصاف والعدالة والتوازن، ويمس بالإرادة الحقيقية للناخبين بإدخال غير المصوتين في عملية الاحتساب، فضلا عن انتقاصه من شرعية الحكومة لعدم انبثاقها عن الإرادة الشعبية الحقيقية المعبر عنها عبر التصويت في الانتخابات.
لذا ،يؤكد الحزب على ضرورة إلغاء الصيغة الحالية للقاسم الانتخابي وتعديل المادة 84 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، للعودة إلى توزيع المقاعد على اللوائح بواسطة قاسم انتخابي يستخرج عن طريق قسمة عدد الأصوات الصحيحة المعبر عنها على عدد المقاعد المخصص للدائرة الانتخابية، وتو زيع المقاعد الباقية وفق قاعدة أكبر البقايا.
إبقاء المشروع الحالي على توزيع المقاعد بدون اعتماد أية عتبة للمشاركة في عملية توزيع المقاعد النيابية
لقد أبقى مشروع القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، على توزيع المقاعد على جميع اللوائح المتنافسة بدون اعتماد أية عتبة من نسبة الأصوات المحصل عليها للمشاركة في عملية توزيع المقاعد النيابية.
وانسجاما مع الحاجة إلى عقلنة المشهد السياس ي والانتخابي مع الحفاظ على التعددية الحزبية في حدودها المعقولة، يؤكد الحزب على ضرورة اعتماد عتبة في حدود 3% للمشاركة في عملية توزيع المقاعد النيابية، مع قاعدة أكبر البقايا .
المشروع الحالي يشجع بلقنة الترشيحات ويضعف الأحزاب السياسية.
إن من بين المقترحات التي تضمنها هذا المشروع والتي لم تكن محط اقتراح أو تشاور هي ما يتعلق بتمييع عملية الترشيح المستقل عبر جعل “لوائح الترشيح المقدمة برسم الدوائر الانتخابية المحلية «من لدن مترشحين بدون انتماء حزبي التي تتضمن، في كل لائحة «ترشيح معنية، مترشحين مرتبين بالتناوب بين الجنسين ولا يزيد عمر كل واحد منهم على 35 سنة في تار يخ الاقتراع، الاستفادة من دعم مالي عمومي يعادل خمسة وسبعين في المائة) 75%( من المصاريف الانتخابية للائحة الترشيح بمناسبة حملتها الانتخابية ،شريطة «ألا يتعدى مبلغ الدعم المذكور خمسة وسبعين في المائة )75%( من سقف المصاريف الانتخابية للمترشحين المحدد بموجب المرسوم «المشار إليه في المادة 93 من هذا القانون التنظيمي. وتحدد بموجب مرسوم شروط وكيفيات صرف الدعم المذكور، الذي ي خصم من «المبلغ الكلي لمساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية التي تقوم «بها الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات العامة لانتخاب أعضاء مجلس النواب .”
إن هذا المقتض ى يعتبر إضعافا ممنهجا للأحزاب السياسية كما أنه سيؤدي إلى تشتيت الترشيحات وبلقنتها على مستوى كل دائرة، ولا يمكن البرهنة على قدرته على معالجة العزوف الانتخابي للشباب بهذا المنطق الذي يتجاهل الأسباب العميقة للعزوف الانتخابي.
تغليب المقاربة الزجرية الجنائية على المقاربة الوقائية والتدخلية الاستعجالية في تخليق الحياة الانتخابية.
إن تحليل العقوبات الجنائية المشددة والآليات الزجرية الواردة في مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بتغيير وتتميم القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، يكشف عن خلل وظيفي ومؤسساتي عميق في السياسة الجنائية، ويؤدي إلى انتهاك خطير للحقوق والحريات الأساسية التي يكفلها الدستور.
يتجلى هذا الخلل المؤسساتي والحقوقي في ثلاث محاور رئيسية:
أولاً: من حيث الشكل، نحن أمام سياسة جنائية جديدة هذه السياسة تقوم على:
تشديد الآليات العقابية بدون انسجام مع قوانين أخر ى
نحن أمام مشروع يتضمن حجما كبيرا من التشديد والآليات العقابية الجنائية، إذ تم إدراج عقوبات حبسية تتراوح بين سنتين وعشر سنوات، وغرامات مرتفعة تصل إلى 100.000 درهم، إضافة إلى الحرمان السياس ي لمدد طويلة، وهو ما يمثل ملامح سياسة جنائية جديدة تسائل مؤسسات أخرى يقع على عاتقها مسؤولية رسم وتوجيه السياسة الجنائية، وهو ما يطرح السؤال حول مدى انسجام النص العقابي مع المبادئ العامة للقانون الجنائي، ومع قوانين أخرى إذ توجد جرائم معاقب عليها في مدونة الصحافة يتم تجريمها مجددا في القانون الانتخابي بصياغة مختلفة، مما يخلق ازدواجية تشريعية خطيرة.
وهو ما يؤدي إلى تغليب المقاربة الزجرية في معالجة إشكالات أخلاقية وسياسية، في حين أن الأولى هو اعتماد مقاربة وقائية تستند إلى تحميل المسؤولية للأحزاب السياسية في اختيار مرشحيها، وتشديد العقوبات بعد ثبوت الجرائم الانتخابية بأحكام قضائية نهائية حائزة على قوة الشيء المقضي به.
تغليب المقاربة الإدارية على القضائية
يبرز المشروع توجها نحو تمكين الإدارة من سلطات تقريرية ذات طبيعة قضائية، مثل:
رفض أو إلغاء الترشيحات بناء على مجرد المتابعة أو محضر الضبط في حالة التلبس؛
تنفيذ جزاءات سياسية فورية دون انتظار حكم قضائي نهائي؛
التحكم في مسار التسجيل الانتخابي عبر قرارات إدارية منفردة.
ويُدخل هذا واقعاً جديداً يتم فيه حلول السلطة الإدارية محل السلطة القضائية في تحديد الموانع السياسية، بما يشكل مسا واضحا بمبدأ الفصل بين السلط.
ثانياً: من حيث المضمون: الانتهاك الخطير للحقوق الأساسية: العقوبة دون حكم قضائي بات
يُعد أخطر ما جاء به المشروع هو النص على الجزاء السياس ي الفوري الذي يترتب على مجرد المتابعة أ و الضبط في حالة تلبس، دون انتظار صدور حكم قضائي نهائي، مما يمثل خرقا صريحا للمبادئ الدستورية.
تنص المادة 6 )البند 5( والمادة 24 من المشروع على رفض أ و إلغاء لائحة الترشي ح في حق المترشحين “المتابعين على إثر ضبطهم في حالة تلبس بارتكاب جناية أو إحدى الجنح”. أي أن مجرد محضر الضبط أو قرار المتابعة يصبح سبباً للحرمان من الحق السياس ي، وهو ما يعتبر انتهاكا صريحا للحقوق الدستورية التالية:
1- مبدأ قرينة البراءة: يتم فرض عقوبة سياسية )الحرمان من الترشح( على المترشح قبل أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي .
2- . الحق في محاكمة عادلة: يتم حرمان الفرد من ممارسة حقه السياس ي بناء على إجراءات الضبط والمتابعة وليس على أساس البت النهائي من طرف القضاء .
3- الحق في الترشح )حق دستوري(: يتم تقييد الحق الدستوري في المشاركة السياسية والترشح بآلية إجرائية )المتابعة(، بدلاً من قصر التقييد على العقوبة المانعة للأهلية الصادرة عن محكمة مختصة .
4- ضرب مبدأ الفصل بين السلطات: تحصل السلطة الإدارية )المكلفة بتلقي الترشيحات( على سلطة قضائية فعلية تمكنها من إقصاء المترشح بناء على وثيقة إدارية، مما يعتبر اعتداء على اختصاص القضاء الأصيل في تحديد الإدانة وحلول سلطة الإدارة محل السلطة القضائية.
5. الحقوق والحريات الدستورية بين مقتضيات المشروع ومتطلبات الدستو ر أولا- المس بقرينة البراءة و إقرار جزاءات سياسية فورية
ينص المشروع على منع الترشيح في حالة “التلبس” أو “المتابعة” دون انتظار حكم قضائي نهائي. ويمثل ذلك خرقاً صريحاً للفصل 23 من الدستور، الذي ينص على أن: “قرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة مضمونان” وللفصل 119 الذي ينص بشكل واضح على ما يلي:”يعتبر كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة بريئا، إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي، مكتسب لقوة الش يء المقض ي به”. وللفصـل120:” لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول. حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم”.
كما يخالف اجتهادات المجلس الدستوري التي أكدت أن سقوط الأهلية الانتخابية لا يمكن أن يتم إلا بناء على حكم بات. فقبل دستور 2011، كان مذهب القاض ي الدستوري واضحاً حيث انتصر لمبدأ قرينة البراءة واعتبره – منذ ذلك الحين – مبدأً ذا قيمة دستورية. فقد قض ى القاض ي الدستوري في قراراته أرقام:
449 /2001، و780 /2009، و813 /2010 بأنه ” ولئن كانت الأهلية تُعْتَبَر من النظام العام، وتُعَد شرطاً جوهرياً للترشح للانتخابات والاستمرار في تمثيل الأمة… فإن إعمال مبدأ قرينة البراءة الذي هو مبدأ ذو قيمة دستورية، يوجب أن يكون الحكم الجنائي الذي يترتب عليه فقدان الأهلية للانتخاب حكماً نهائياً .” ثانيا- ضرورة امتثال الإدارة لمفهوم الحكم النهائي
لا يمكن فهم المقصود ب “الحكم النهائي” إلا من خلال مجموعة من المبادئ الدستورية التي تؤسس لمفهوم موحّد له، يتطابق مع ما يُعرف في الفقه القضائي بـ”الحكم الباتّ”.
ويستند هذا التصور إلى النصوص الدستورية التالية:
الفصل 126 الذي ينص على أن “الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع”، والفصل
118 الذي يضمن حق التقاض ي للدفاع عن الحقوق والمصالح المشروعة، والفصل 119 الذي يقَرُّ قرينة البراءة إلى أن تثبت الإدانة بمقرر قضائي مكتسب لقوة الش يء المقض ي به، والفصل 120 الذي يضمن محاكمة عادلة وحقوق الدفاع.
كما يُعتبر الفصل 134 ذا أهمية خاصة في هذا السياق، حيث يُلزم قرارات المحكمة الدستورية جميع السلطات والجهات الإدارية والقضائية، مما يفرض تأويلاً موحداً وملزماً لمفهوم “الحكم النهائي” على جميع القضاة.
وقد أوضح القاضي الدستوري هذا المفهوم في قراريه رقم 762 /22009 )قبل دستور 2011( ورقم 908 /2012، حيث أكد أن صفة النهائية للحكم تتحقق بعد اجتيازه جميع مراحل التقاض ي: الابتدائية، والاستئناف، وأخيراً الطعن بالنقض أمام محكمة النقض )المجلس الأعلى سابقاً(. وقد طبَّق المجلس الدستوري هذا المنهج في قراره رقم 762 /2009، حيث أقرَّ بفقدان أهلية الترشح لعضوية مجلس النواب استناداً إلى إدانة بحكم نهائي، بعد أن صدر الحكم من المحكمة الابتدائية ثم أُيّد من محكمة الاستئناف، وأصبح نهائياً بعد رفض المجلس الأعلى لطلب النقض.
كما تمسك المجلس بهذا التوجه نفسه بعد صدور دستور 2011 الذي أعطى لمبدأ قرينة البراءة )الفصل 23( صبغة صريحة وجوهرية، حيث أقر في قراره رقم 908 /2012 3بإبطال انتخاب مرشح لفقدانه أهلية الترشح بسبب إدانة جنائية أصبحت نهائية بعد مرور الحكم بجميع مراحل الطعن )الابتداء، والاستئناف، ثم النقض(، مما يتسق مع الأسس التي أرساها في قراره السابق.
وبالاستناد إلى مبدأ الوحدة العضوية للنص الدستوري وبمراجعة السابقة القضائية للقاض ي الدستوري، يمكن تعريف الحكم النهائي بأنه الحكم الذي اكتسب قوة الش يء المقض ي به بعد استنفاذ جميع طرق الطعن العادية وغير العادية أمام جميع درجات المحاكم.
وبالتالي، فإن العديد من فقرات المادة 13 من مشروع القانون التنظيمي تتعارض مع الدستور وتنتهك هذا الحق الواضح والصريح. وبذلك، يُعد الحرمان الفوري من حق الترشيح عقوبة سياسية مسبقة، تفتح الباب أمام:
مخاطر توظيف المتابعة لأغراض سياسية؛
انتهاك مبدأ تدرج العقوبات؛
المساس بحق الدفاع والمحاكمة العادلة .
وحيث إنه، يبين من الاطلاع على الوثائق والمستندات المدلى بها، وكذا تلك المستحضرة من طرف المجلس الدستوري، أن المطعون في انتخابه السيد ….. أدين من طرف المحكمة الابتدائية بسيدي قاسم من أجل جنحة إصدار شيك بدون رصيد بمقتضى حكم صادر في الملف الجنحي عدد 1116/2004 بتاريخ 29 نوفمب ر2004 …….، وأن هذا الحكم تم تأييده من طرف محكمة الاستئناف بالقنيطر ة بالقرار الصادر بتاريخ 30 مايو 2007 في الملف الجنحي عدد 3117/05/1، وأن المطعون في انتخابه المذكور تعرض على هذا القرار أمام نفس محكمة الاستئنا ف، وأن هذه الأخيرة أصدرت بتاريخ 9 مايو2012 قرارا بتأييد الحكم المستأنف مع تعديله بخفض العقوبة ……، وأن نفس المطعون في انتخابه طعن في هذا القرار بالنقض بتاريخ 16 مايو2012 وأن محكمة النقض رفضت في قرارها الصادر بتاريخ 14 نوفمب ر2012 في الملف الجنحي عدد 13179/6/1 /2012 طلب الطعن بالنقض، الأمر الذي صار معه الحكم بالإدانة نهائيا، وأصبح المطعون في انتخابه السيد …… ، تبعا لذلك، فاقدا لأهلية الترشح تطبيقا للمقتضيات القانونية سالفة الذكر؛ …. وحيث إن فقدان أهلية الترشح يعتبر إحدى الحالات الموجبة لبطلان الانتخاب، طبقا لمقتضيات البند 3 من المادة 89 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، مما يتعين معه إبطال انتخاب السيد عبد الله الحافظ عضوا بهذا المجلس؛
أقر القاضي الدستوري في قراره رقم 762/ 2009 بالإدانة بحكم نهائي يفقد أهلية الترشح للانتخابات حيث اعتبر في حيثية مؤسسة أنه -… يبين من نتائج التحقيق الذي قام به المجلس الدستوري أن المحكمة
الابتدائية بـ… قضت بتاريخ 23 نونبر 2006 بإدانة السيد … من أجل أفعال ارتكبها قبل أن يترشح للانتخابات التشريعية الجزئية التي أجريت في 19 سبتمبر 2008 وبالحكم عليه ب …. وبحرمانه من حق التصويت لمدة سنتين ومن حق الترشح للانتخابات لمدة انتدابين متواليين، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف …….، وهو القرار الذي صار نهائيا بعد رفض المجلس الأعلى طلب النقض المقدم إليه…
وتأسيسا على ما سبق بيانه يكون السيد فاقدا للأهلية مما يترتب عنه بطلان انتخابه عضوا بمجلس النواب.»
ثالثا- ضمانات المحاكمة العادلة وحدود تدخل الإدارة يؤدي منح الإدارة صلاحية منع الترشيحات بناء على محاضر الضبط إلى:
انحراف في توزيع الاختصاصات؛
تحويل المسطرة الإدارية إلى أداة لإنتاج جزاءات سياسية؛
خلق شكوك حول حياد الإدارة، خصوصا في سياق انتخابي تنافس ي.
رابعا- الحق في الترشح والانتخاب
الحق في التصويت والترشح حق دستوري أصيل )الفصل 30(. ولذلك لا يجوز تقييده إلا استثناء وبموجب حكم قضائي نهائي، وعبر نص دقيق وواضح. إلا أن المشروع اعتمد تقييدات واسعة، تشمل:
إدانات بسيطة؛
أحكام موقوفة التنفيذ؛
متابعات غير منتهية؛
قرارات إدارية منفردة.
وهي تقييدات تفتقر إلى التناسب وتمس جوهر المشاركة السياسية.
ومما يعزز ما سبقت الإشارة إليه هو أن الكثير من القرارات القضائية قضت بالبراءة في ملفات تلبسية مثل الحكم عدد 429، في ملف اعتقال تلبس ي عدد 330 /2018، صادر بتاريخ 16 /07 /2018، وهو الحكم الذي يعيد النظر في طرح الإشكال المتعلق بحجية محاضر الشرطة، لانتقاصها من مبدأ قرينة البراءة .
خامسا- حرية التعبير ونقد نزاهة الانتخابات 1( غموض مفهوم “الأخبار الزائفة” والتشكيك في النزاهة
تعاقب المادة 51 مكررة بالسجن من سنتين إلى خمس سنوات كل من:
“بث أو وزع أخباراً زائفة بقصد التشكيك في صدقية ونزاهة الانتخابات.” وتعاني هذه الصياغة من:
غموض في تحديد ماهية “الأخبار الزائفة”؛
غياب الجهة المختصة بتحديدها؛
خلط بين النقد السياس ي المشروع وبين التشكيك المغرض؛
إغفال السياق الانتخابي الذي يقتض ي أعلى درجات الشفافية.
كما أن الفقه القانوني يعتبر الغموض في النصوص العقابية مساسا بمبدأ الشرعية الجنائية.
بالإضافة إلى تعارض هذه العقوبة مع ما ورد في قانون الصحافة والنشر، بحيث تنص المـادة72مـن قانـون الصحافـة والنشـر علـى مـا يلـي: “يُعاَقـب بغرامة مـن20.000 الى 200.000درهـم كل مـن قـام بسـوء نيـة بنشـر أو إذاعـة أو نقـل خبـر زائـف او ادعـاءات او وقائـع غيـر صحيحـة او مسـتندات مختلفـة او مدلـس فيهـا منسـوبة للغيـر إذا أخلَّـت بالنظـام العـام أو أثـارت الفـزع بيـن النـاس، بأيـة وسـيلة مـن الوسـائل ولا سـيما بواسـطة الخطـب أو الصيـاح أو التهديـدات المفـوه بهـا فـي الأماكـن أو الاجتماعـ ات العموميـة وإمـا بواسـطة المكتوبـات والمطبوعـات المبيعـة أو الموزعـة أو المعروضـة للبيـع أو المعروضـة فـي الأماكـن أو الاجتماعـات العموميـة وإمـا بواسـطة الملصقـات المعروضـة علـى أنظـار العمـوم وإمـا بواسـطة مختلـف وسـائل الإعـلام السـمعية البصريـة أو الإلكترونيـة وأيـة وسـيلة أخـرى تسـتعمل لهـذا الغـرض دعامـة إلكترونية”.
ففي الوقت الذي اكتفت في مدونة الصحافة بالغرامة في جرائم لاتقل خطورة عن التشكيك في نزاهة الانتخابات لجأت المادة 51 مكرر إلى العقوبة الحبسية.
وهذا يعكس النظرة التجزيئية لموضوع الأخبار الزائفة، الذي يتجاوز بكثير اللحظة الانتخابية، وتجدر الإشارة أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي خصص له رأيا بعنـوان: “الأخبـار الزائفـة: مـن التضليـل الإعلامـي إلـى المعلومـة الموثوقـة والمتاحـة”، والـذ ي تـم إعـداده فـي إطـار إحالـة ذاتيـة رقم2022/66 5، والجدير بالذكر أن الوسائل التي يقترحها تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لمحاربة الأخبار الزائفة، لا تتضمن إطلاقا العقوبات الجنائية وإنما يتعامل معها من منظور أوسع، ويرى التقرير أن مكافحة الأخبار الزائفة تتطلب رؤية شمولية تتوزع على أربع ركائز:
إتاحة المعلومات الرسمية بسرعة وشفافية .
بناء مؤسسات قوية للتحقق من الأخبار مع ضمان استقلاليتها المالية.
نشر التربية الإعلامية والتفكير النقدي لدى المجتمع والمؤثرين والإعلاميين.
التعاون الدولي وتطوير أدوات رقمية للذكاء الاصطناعي لرصد التضليل.
5 يتنــاول رأي المجلــس الاقتصــادي والاجتماعــي والبيئــي بعنــوان: “الأخبــار الزائفــة: مــن التضليــل الإعلامــي ٕإلــى المعلومـة الموثوقـة والمتاحـة”، والـذي تـم ٕإعـداده فـي ٕإطـار ٕإحالـة ذاتيـة، ٕإشـكالية الأخبـار
الزائ فـة التـي تتَنَاَ مَـى علـى الصعيديـن العالمـي والوطنـي وتتفاقـم مـع تزايـد اسـتعمال الهواتـف الذكيـة وانتشـار شـبكات التواصـ ل الاجتماعي علـى نطـاق واسـع. ويمكـن لتاثٔيـر الأخبـار الزائفـة السـلبي انٔ يطـال الأفـراد والمؤسسـات والمجتمـع بوجـه عـام .وقـد جـاء هـذا الـرأي، الـذي اعتمدتـه الجمعيـة العامـة للمجلـس بالإجمـاع فـي دورتهـا العاديـة 141فـي 29دجنبـر 2022، والـذي جـرى ٕإعـداده وفـق مقاربـة تشـاركية انخرطـت
فيهـا جميـع الأطـراف المعنيـة، ثمـرة لنقاشـات موسـعة بيــن مختلِــف الف ئات المكونــة للمجلــس، فضـلا عــن مخرجــات جلســات الإنصــات التــي نظَمهــا المجلــس مــع ابٔــرز الفاعليـن المعنييـن ، ٕإلـى جانـب نتائ ج الاستشـارة المواِطنـة التـي اطٔلقهـا المجلـس بشـانٔ هـذا الموضـوع علـى المنصـة الرقميــة “اشٔــارك” (ouchariko.ma)
2( انعكاسات التجريم على الملاحظة والرقابة سيؤدي هذا التجريم إلى:
تكميم أفواه المراقبين والوكلاء والمتابعين؛
الحد من قدرة المجتمع المدني على فضح الخروقات؛
خلق رقابة ذاتية خطيرة لدى الفاعلين السياسيين والإعلاميين؛
إضعاف الترافع من أجل نزاهة الانتخابات.
3( تهديد المشاركة السياسية والرقابة المجتمعية إن تحصين العملية الانتخابية من النقد يناقض:
مبدأ الشفافية؛
روح الفصل 11 من الدستور؛
اختصاصات المحكمة الدستورية )الفصل 132( التي تبتّ في صحة الانتخابات، وهو ما يعني بشكل ضمني إمكانية الخلل.
ويبرز ذلك من خلال قرارات عديدة للمجلس الدستوري ألغت النتائج بسبب:
استعمال المال؛
عدم الاطمئنان إلى الفرز؛
تدخل أعوان السلطة؛
خرق سرية الاقتراع.
بمعنى أن الادعاء بحصانة العملية الانتخابية وعدم إمكانية التشكيك في صحتها -ولو تحت مسمى ترويج أخبار زائفة لا سند له، وهو ما تؤكده قرارات القاض ي الدستوري العديدة التي ألغى فيها نتائج الانتخابات في العديد من الدوائر، بسب الشك في صحتها:
قرار المجلس الدستوري رقم 704 /2008، الذي ألغى نتائج الانتخابات بسبب استمالة الناخبين من قِبَل أعوان السلطة.
قرار المجلس الدستوري رقم 909 /2012، الذي ألغى نتائج الانتخابات بسبب عدم الاطمئنان إلى صدق النتيجة المعلن عنها وسلامتها.
قرار المجلس الدستوري رقم 400 /2000، الذي ألغى الانتخابات بسبب عدم احترام صدق العملية الانتخابية، ووجود تعارض بين أرقام محاضر مكاتب التصويت ومحضر المكتب المركز ي.
قرار المجلس الدستوري رقم 898 /2012، الذي ألغى الانتخابات بسبب عدم الاطمئنان إلى عملية فرز وإحصاء الأوراق الملغاة.
قرارات المجلس الدستوري أرقام: 338 /1999، و645 /2007، و738 /2009، والتي ألغيت فيها الانتخابات بسبب استعمال المال.
قرار المجلس الدستوري رقم 399 /2000، الذي ألغى نتائج الانتخابات بسبب عدم التزام السلطة المحلية بالحياد.
قرار المجلس الدستوري رقم 78 /1995، الذي ألغى الانتخابات بسبب عدم احترام سرية التصويت.
وبالتالي، فهناك حالات عديدة، ألغى فيها القاض ي الدستوري نتائج الانتخابات بسبب شكوك في النزاهة، وهو ما يثبت أن: التشكيك في سلامة العملية الانتخابية ليس فقط مشروعا، بل واقعيا ومؤسسا قانونيا وبالتالي، فإن تجريم هذا التشكيك يتناقض مع جوهر الرقابة الدستورية نفسها، وبذلك فإن ما ذهبت إليه المادة 51 مكرر من محاولة تحصين العملية الانتخابية وتكميم أفواه المتابعين والمراقبين والملاحظين، يشكل تعديا واضحًا على حرية التعبير والنشر.
ولهذا الغرض ميّز القضاء الدستوري بين حماية الحقوق السياسية للأفراد؛ ومراقبة صحة الانتخابات، وهو تمييز جوهري ينبغي للسلطة التقديرية للمشرع أن تحترمه.
والخلاصة أن مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25 يقض ي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب يستلزم الملاءمة على ضوء المبادئ والقواعد الدستورية التالية:
حماية قرينة البراءة؛
ضرورة وجود حكم نهائي لسقوط الأهلية؛
احترام مبدأ التناسب؛
صيانة الحق في الترشح كمكون أساس ي للحقوق السياسية.
III. ملاحظات الحزب حول مشروع القانون رقم 55.25 يقض ي بتغيير وتتميم القانون رقم
57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية
لقد طالب حزب العدالة والتنمية في مذكرته السابقة بالمراجعة الشاملة للوائح الانتخابية العامة وشدد على أن سلامة اللوائح الانتخابية تمثل مدخلا أساسيا لنزاهة العملية الانتخابية، لأن الاختلالات التي تراكمت فيها على مدى سنوات ساهمت في التشكيك في النتائج .
فرغم الإصلاحات، ما تزال اللوائح تعاني ضعف التمثيلية )ثلث البالغين غير مسجلين سنة 2021(، إضافة إلى وجود وفيات وتكرار للأسماء، وأخطاء في التشطيب، وتسجيل غير مفهوم لما يقارب مليوني ناخب جديد دون حملة تواصلية، فضلا عن اختلاف اللوائح بين مكاتب التصويت واللوائح المسلمة للأحزاب، وبالاستناد إلى التقدم الحاصل في الرقمنة واعتماد السجل الوطني للسكان والبطاقة البيومترية، اقترحنا إصلاحا جذريا للمنظومة عبر الإجراءات التالية:
اعتماد تسجيل تلقائي لكل المواطنين البالغين سن الرشد بناء على معطيات البطاقة الوطنية .
تسهيل نقل القيد إلكترونيا لمن غيّروا محل سكنهم مع منح آجال كافية.
منع تفريق أفراد الأسرة الواحدة على مكاتب تصويت متباعدة .
اشتراط عدم الشطب إلا بعد التقييد في العنوان الجديد، مع تجريم الشطب غير المبرر لكونه يمس حقًا دستوريًا مضمونًا بالفصل 30.
تمكين الأحزاب من اللوائح النهائية خلال 24 ساعة وبصيغة قابلة للمعالجة) Excel( تتضمن البيانات الأساسية للناخبين.
الحسم النهائي للوائح قبل 30 ماي 2026، بعد انتهاء الآجال الإدارية والقضائية.
نشر اللوائح للعموم لتمكين المواطنين من إبداء الملاحظات.
فتح باب الطعن لكل ذي مصلحة في حالة وجود وفيات أو موانع قانونية، مع تحميل الإدارة عبء الإثبات .
إتاحة القيد والطعون إلكترونيا أمام اللجان الإدارية.
تمديد أجل الطعن إلى عشرة أيام بدل الأجل الحالي.
تبسيط المنصات الرقمية الخاصة باللوائح لضمان سهولة الولوج والاستعمال .
غير أنه، وللأسف الشديد لم تتم الاستجابة لمطالبنا في المراجعة الشاملة للوائح على ضوء المقترحات الدقيقة التي رفعناها.
بالمقابل تبنى المشروع نفس المقاربة التجزيئية لموضوع التخليق وغلب البعد الزجري على البعد الوقائي الوقائية، مما جعله مشوبا بالنقائص التالية:
1( توسيع الإقصاء الجنائي وإشكالات التناسب
يوسّع المشروع في المادة السابعة / )الفقرة: ب( قائمة الجرائم التي تؤدي إلى سقوط الحق في التسجيل في اللوائح، لتشمل:
الغرامات من أجل بعض الجنح؛
محاولة حمل ناخب أو عدة ناخبين عن الإمساك عن التصويت
الأحكام غير النهائية؛ لأن المشروع يعتبر الطعن بالنقض يأتي ما بعد صدور الحكم النهائي وهو ما يتعارض مع الفهم الدستوري للحكم النهائي
العقوبات الموقوفة التنفيذ .
ويمثل ذلك:
تمديداً غير مبرر لأثر العقوبة؛
تقييداً غير متناسب للحقوق السياسية؛
خروجاً عن مبدأ الأمن القانوني.
2( تضخم السلطة الإدارية في التسجيل والطعون
منح المشروع لوزير الداخلية صلاحية تحديد كيفيات التسجيل الإلكتروني، وإدراج ممثل الإدارة ضمن اللجان ذات الطابع القضائي، مما يؤدي إلى:
إضعاف استقلالية سير العملية؛
تعزيز النفوذ الإداري؛
تحويل التسجيل الانتخابي من عمل قضائي إلى عملية شبه إدارية.
3( تقليص الجسم الانتخابي والتأثير على شرعية التمثيل يسهم المشروع في:
تقليص عدد الناخبين المؤهلين؛
الحد من المشاركة السياسية للشباب والفئات الهشة؛
خلق اختلالات في التمثيلية؛
تعزيز التحكم في النتائج عبر التحكم في الجسم الانتخابي.
خاتمة
إن قراءة مجموع المقتضيات الواردة في المشروعين تسمح بالقول أنه من جهة لم يتم معالجة إشكالية القاسم الانتخابي والعتبة، ومن جهة أخرى تم تشجيع ترشيح الشباب دون ت زكية حزبية مما سيعزز البلقنة في الترشيحات على مستوى كل دائرة ويسهم في إضعاف الأحزاب السياسية، ثم إن التشدد العقابي، وتوسيع الموانع الانتخابية، وتعزيز الدور الإداري في تدبير المسار الانتخابي، وتجريم التشكيك في صدقية ونزاهة الانتخابات، تمثل توجها قد يؤدي إلى إضعاف الحقوق الدستورية وتقويض الثقة في العملية الانتخابية، كما يبرز المشروعان مظاهر غموض تشريعي وإشكالات في الانسجام مع القواعد الدستورية والجنائية، إضافة إلى تهديد بعض مقتضياتهما للحقوق والحريات الأساسية. كما أن تخليق الحياة العامة يظل هدفا عظيما، سنستمر في النضال من أجله، وهو ما سيتحقق أساسا بتعزيز حياد الإدارة؛ واحترام دور القضاء؛ وصيانة الحريات السياسية؛ وتطوير آليات الملاحظة والشفافية؛ وتشجيع المشاركة الديمقراطية الواسعة.
وهو ما يستلزم تعديل العديد من المقتضيات بما يتوافق مع الدستور، مع اعتماد مقاربة تشريعية أكثر توازنا وتناسقا مع المعايير الديمقراطية.





