
خالد الصمدي يكتب:
تابعت ردود الفعل الغاضبة عبر العالم على زلة صاحب الرأي “الفاسد” في حق الرسول الأكرم، فعجبت منه كيف يحرص على أن يستعمل مواقع التواصل الاجتماعي التي تنتشر عبرها الكلمة والصورة في العالمين قبل أن يرتد إلى الإنسان طرفه، ليصف الرسول الخاتم بالجهل، تسرعًا وجرأة، وهو يحاول إنكار أميته، والحرص في كل وقت على فتنة الناس في دينهم وعقيدتهم، من خلال خلط السليم بالسقيم دون تأمل ولا تثبت ولا برهان، فيجلب عليه سخط الله ورسوله والملائكة والإنس والجن أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها.
وكان بإمكانه أن يفعل عكس ذلك، فيستغل هذه الوسائط لنشر الخير والفضل بين الناس، فيجلب رضى ودعوات الجميع.
وقد كان بإمكان الرجل أن يقرأ القرآن الكريم ويطلع على الأحاديث النبوية الشريفة ووقائع السيرة النبوية التي تثبت أميته صلى الله وسلم وهي عديدة، ثم يبحث بالمنطق العلمي عن الحكمة من ذلك دون تسرع، ليعلم أن عدم القراءة والكتابة ليست نقيصة في حق الرسول الكريم، بقدر ما هي دليل صدق وقوة برهان.
وهذا يدفعنا إلى أن نبحث في الذكر الحكيم وسنة النبي الكريم عن أسرار وحكم هذا الاختيار الرباني لرسول أمي لا يقرأ ولا يكتب، ليكون خاتم المرسلين وآخر تذكير إلهي للعالمين، يتلو على الناس آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، ليكون فهم أمية الرسول صلى الله عليه وسلم انطلاقًا من القرآن الكريم وسنة الرسول العظيم أشمل وأوسع.
وإليكم بعضًا من تلكم المعاني والحكم والمقاصد التي وقفت عليها:
المعنى الأول: صفحة بيضاء على فطرة التوحيد
فالرسول الكريم بعثه الله للناس أميًا: بمعنى صفحة بيضاء على فطرة التوحيد، وقد غسلت الملائكة قلبه صلى الله عليه وسلم وهو لا يزال طفلًا صغيرًا في حادثة شق الصدر المعلومة في السيرة النبوية حتى يتلقى آياته الصافية دون أن تختلط عند استقبالها في وجدانه وقلبه بشيء سابق حين يتلقاها من ربه وحيًا منسجمًا مع فطرة التوحيد السليمة السوية التي خلق الناس عليها “فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم”.
قال تعالى:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾
وقال تعالى:
﴿وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾
فكان كل الناس في البدء أميين على فطرة وملة التوحيد التي عاهدوا الله عليها وهم بعد في مرحلة الذر قبل أن يخرجهم خلائق إلى الأرض، فاجتالتهم الشياطين، كما قال صلى الله عليه وسلم.
وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم: “كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه”، وذلك حتى إذا تعلم القراءة والكتابة، حافظ على فطرة التوحيد أو تنكب عنها فيحاسب على اختياره.
المعنى الثاني: عدم المعرفة السابقة بالعقائد الوضعية
ومن الحكم والمقاصد أنه صلى الله عليه وسلم كان أميًا أي لم تكن له سابق معرفة بما سبقه من العقائد والأديان الوضعية السائدة في وقته سوى ملة إبراهيم حنيفًا التي بنيت على فطرة التوحيد السالف ذكرها، وما تلاها من رسالات منزلات ذكرها القرآن.
قال تعالى:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
فلم يكن صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث في الناس رسولًا، كتابيًا يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مشركًا إذ لم يعبد في حياته صنمًا قط، كما ثبت في سيرته العطرة.
المعنى الثالث: سلامة الفطرة من التأثر بالكتب السابقة
ومن الحكم الواضحة البارزة أيضًا أن أميته صلى الله عليه وسلم حالت دون معرفة كتب الأولين والتأثر بها حتى تظل فطرته سليمة خالية من كل معتقد سابق استعدادًا لاستقبال الرسالة الخاتمة.
قال تعالى:
﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾
المعنى الرابع: درء الشبهات عن مصدر القرآن
ومن الحكم أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم لم يعرف بين قومه بقراءة الكتب، ولم يكتب بيده كتابًا خاصًا به قبل بعثته، قد يرتاب منه المبطلون حين يأتيهم بمعجزة القرآن وهو معجزة كتابية، فيقولوا هذه حصيلة ما كان يقرأ من كتب الأولين وقد ذكر القرآن الكريم أنهم قد زعموا ذلك.
فقال تعالى:
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًاا﴾
أي طلب كتابتها، وما قالوا “كتبها” لأنهم يعلمون علم اليقين أنه لا يقرأ ومن لا يقرأ لا يكتب.
وقال تعالى في موضع آخر:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾
هذه بعض معاني أمية الرسول الخاتم ويمكن أن تكون هناك معان أخرى تنجلي من خلال تأملات معمقة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفاته الواردة في القرآن الكريم (الرسول في القرآن).
الخلاصة: مقاصد الأمية النبوية
وهكذا كانت أميته صلى الله عليه وسلم التي يعرفها جميع من عرفه، تتجاوز الاختزال في عدم معرفة القراءة والكتابة إلى معاني أخرى أشمل وأعمق لتكون برهانًا ساطعًا يجمع بين مقاصد متعددة أهمها:
صدق رسالته ومعجزته التي كانت آيات مقروءة محفوظة مكتوبة، تحدى بها عتاة الشعراء والأدباء والبلغاء إلى يوم الناس هذا.
إلى جانب ضمان سلامة فطرته، لتلقي الرسالة الخاتمة.
غاية الرسالة الخاتمة على مر العصور هي الحفاظ على فطرة الإنسان السليمة وقيمه السامية، انطلاقًا من رسالة الإسلام الخاتمة الخالدة.
قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾
وهذا هو الفهم الراقي لأمية محمد صلى الله عليه وسلم والتي وردت بهذه المعاني والأبعاد والمقاصد في القرآن الكريم، وفي بيان الرسول الأمين.
ولا تبرز هذه الحكم والمقاصد وأبعادها الرمزية، إلا لمن يعرف أن هذا الرسول الذي بعث برسالة نصية كتابية، كان لا يقرأ ولا يكتب.
والله تعالى يحجب هذا المعاني وهذه المنة، عن كل من يعبث بالكتاب، وينكر السنة.
اللهم اجعلنا على الفطرة من اتباع النبي الأمي الأمين، ونجنا بفضلك من الضلال المبين، آمين والحمد لله رب العالمين.
✍️ الدكتور خالد الصمدي





