الواجهةمجرد رأي

-القرآن الكريم في التربية الأولية دفاع عن الهوية و الثوابت الوطنية:

الدكتور عبد الرحيم أشن :

إن الحديث عن التربية الأولية لا ينبغي أن ينحصر في اكتساب الطفل مبادئ القراءة والكتابة والحساب والمهارات التواصلية فحسب، لأن التربية في جوهرها بناء للإنسان قبل أن تكون بناءً للمعارف، وتشكيل للوجدان قبل أن تكون تنمية للقدرات العقلية، وغرس للقيم قبل أن تكون إعدادًا للاندماج في الحياة المدرسية والمهنية.
ومن هذا المنطلق، فإن استنكار إقصاء الكتاتيب القرآنية أو تهميش حضور القرآن الكريم في التربية الأولية ليس موقفًا مناهضًا للتحديث التربوي، ولا رفضًا لتطوير التعليم ومناهجه، وإنما هو دفاع عن حق الطفل في أن يتلقى في سنواته الأولى قدرًا من التربية الدينية والأخلاقية المنسجمة مع هوية مجتمعه وثوابته الحضارية والروحية.
وقد عرفت المملكة المغربية، عبر تاريخها الطويل، مكانة متميزة للكتاتيب القرآنية، التي كانت تمثل إحدى أهم المؤسسات التي يتلقى فيها الطفل مبادئ القراءة والكتابة ويحفظ القرآن الكريم ويتعلم آداب السلوك وقواعد الأخلاق، ويرتبط منذ الصغر بدينه ولغته وتراثه الروحي. وقد أولت الدولة المغربية عناية مؤسساتية بالكتاتيب القرآنية، ونص الظهير الشريف المتعلق بإحداث جائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية على الوعي بدورها في تكوين الناشئة المسلمة وتثبيت القيم الإسلامية لديها، مع تشجيعها على تطوير أدائها والمحافظة على خصوصياتها.¹
وإذا كان تطوير التعليم الأولي وتعميمه مطلبًا وطنيًا مشروعًا، فإن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة مع المكونات الأصيلة للتربية المغربية، ولا إلى إقصاء للكتاتيب القرآنية من المشهد التربوي، ولا إلى إضعاف حضور القرآن الكريم في مرحلة هي من أخطر مراحل تكوين شخصية الطفل.
فالقرآن الكريم ليس مجرد كتاب من كتب المعرفة التي يمكن أن تحضر في مرحلة وتغيب في أخرى، وإنما هو كتاب هداية وتربية وتزكية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].² وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].³
ومن هنا كانت العناية بتعليم القرآن الكريم للصغار من أعظم وجوه التربية الإسلامية، إذ ينشأ الطفل على سماع كلام الله وتلاوته وحفظه، وتتكون في وجدانه منذ الصغر صلة روحية وأخلاقية بدينه ومجتمعه.
وقد قال النبي ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»،⁴ وهو أصل عظيم في بيان فضل تعليم كتاب الله وتعلمه، كما قال ﷺ: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه».⁵
ولا يعني الدفاع عن حضور القرآن الكريم في التربية الأولية الدعوة إلى العودة إلى أساليب تعليم تقليدية لا تراعي التطور البيداغوجي الحديث، بل المطلوب هو الجمع بين الأصالة والتجديد، وبين حفظ القرآن وتنمية المهارات، وبين التربية الدينية والتربية العلمية، بحيث يكون الطفل المغربي قادرًا على الانفتاح على العصر دون أن يفقد جذوره.
-الكتاتيب القرآنية جزء من الذاكرة التربوية المغربية:
لقد أدت الكتاتيب القرآنية في المغرب وظائف تتجاوز تحفيظ القرآن الكريم، إذ أسهمت في تعليم القراءة والكتابة، وترسيخ مبادئ الأخلاق، وتعويد الطفل على الانضباط واحترام المعلم، وربطه بجماعة المسجد وبالبيئة الاجتماعية المحيطة به.
وكان الكتاب القرآني، في كثير من البيئات المغربية، أول مؤسسة تربوية يدخل إليها الطفل، ومنها يتعلم الحروف والكلمات والآيات، ويتدرج في حفظ القرآن، ويتشرب مبادئ الأدب وحسن السلوك.
وهذه الوظيفة التاريخية ليست مجرد حنين إلى الماضي، وإنما هي جزء من الذاكرة الثقافية والتربوية للمجتمع المغربي، وقد ارتبطت بثوابت دينية استقرت في المملكة المغربية، وفي مقدمتها الإسلام السني والمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني. وقد ظل التعليم القرآني حاضرًا ضمن منظومة التعليم العتيق بالمغرب، كما تدل منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تتضمن مؤلفات ودلائل خاصة بالكتاتيب القرآنية، ومنها «الكتاتيب القرآنية: الواقع والآفاق»، و«الكتاتيب القرآنية: الرواية المتواترة وآليات الضبط والرسم والقراءة»، فضلًا عن «منهاج القرآن الكريم».⁶
ولهذا فإن أي إصلاح للتربية الأولية ينبغي أن ينظر إلى الكتاب القرآني باعتباره مكوّنًا يمكن تطويره وتأهيله ودمجه في الرؤية التربوية الحديثة، لا باعتباره عائقًا أمام الإصلاح.
القرآن الكريم والتربية على القيم:
إن الطفل في سنواته الأولى لا يحتاج إلى المعرفة المجردة وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة من القيم توجه سلوكه وتشكل شخصيته.
والقرآن الكريم غني بالقيم التي يحتاج إليها الطفل في هذه المرحلة: الصدق، والأمانة، والرحمة، وبر الوالدين، والإحسان، والتعاون، والعفو، واحترام الآخرين، وحفظ الحقوق، والابتعاد عن الكذب والعدوان والتنمر والظلم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90].⁷
وقال سبحانه في وصايا لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: 17].⁸
فهذه المعاني لا تمثل عبئًا على التربية الحديثة، وإنما يمكن أن تكون أساسًا لتربية متوازنة تجمع بين المعرفة والقيم، وبين المهارة والمسؤولية، وبين النجاح الدراسي والاستقامة الأخلاقية.
-تهميش القرآن في التربية الأولية ومخاطر الفراغ القيمي:
إن الخشية الحقيقية ليست من تحديث التعليم، وإنما من أن يتحول التحديث إلى اختزال للإنسان في الجانب المعرفي والوظيفي، بحيث يصبح الطفل متعلمًا للمهارات، ولكنه ضعيف الصلة بالقيم التي تضبط استعمال تلك المهارات.
فالمعرفة من غير أخلاق قد تتحول إلى وسيلة للضرر، والذكاء من غير مسؤولية قد يتحول إلى أداة للانحراف، والانفتاح من غير هوية قد يؤدي إلى الذوبان في ثقافات الآخرين بدل الحوار معها.
ولهذا فإن التربية المتوازنة هي التي تمنح الطفل أدوات العصر، دون أن تحرمه من مقومات شخصيته الدينية والثقافية والوطنية.
والقرآن الكريم لا يدعو إلى الانغلاق، وإنما يربي على التعارف والتواصل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13].⁹
فالهوية القوية ليست نقيض الانفتاح، وإنما هي شرط للانفتاح المتوازن؛ لأن من يعرف ذاته يستطيع أن يتفاعل مع غيره بثقة، دون أن يفقد شخصيته.
-ذلك لا يعني رفض المدرسة الحديثة:
ومن الضروري التأكيد على أن الدفاع عن الكتاتيب القرآنية لا ينبغي أن يفهم باعتباره رفضًا للتعليم الأولي العصري أو دعوة إلى إلغاء المناهج الحديثة.
فالتعليم الأولي أصبح، وفق الإطار القانوني المغربي، جزءًا أساسيًا من منظومة التعليم المدرسي، وقد أدرج القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي ضمن الإطار التشريعي المؤطر لإصلاح المنظومة التربوية.¹⁰
لكن التحديث الحقيقي لا يقوم على الإقصاء، وإنما على التكامل.
وإذا كانت المدرسة الحديثة تضطلع بتنمية القدرات العقلية واللغوية والحسابية والتواصلية، فإن التربية القرآنية تستطيع أن تسهم في بناء الضمير الأخلاقي والروحي للطفل.
وهنا يمكن أن يلتقي المساران بدل أن يتعارضا: مدرسة حديثة في وسائلها، أصيلة في قيمها، منفتحة في آفاقها، ثابتة في هويتها.
-الهوية الوطنية والثوابت الدينية:
إن الهوية الوطنية المغربية ليست مجرد شعارات ثقافية، وإنما هي تراكم تاريخي وديني وحضاري تشكل عبر قرون.
والقرآن الكريم جزء أصيل من هذا التكوين الحضاري، كما أن الكتاتيب القرآنية كانت ولا تزال إحدى المؤسسات التي أسهمت في نقل هذا الموروث من جيل إلى جيل.
ولهذا فإن تهميشها بصورة تؤدي إلى إضعاف وظيفتها التربوية يثير سؤالًا مشروعًا حول مدى الانسجام بين إصلاح التعليم وبين المحافظة على مكونات الهوية الوطنية.
والأمر لا يتعلق بفرض نمط ديني واحد على جميع المتعلمين خارج الإطار القانوني والمؤسساتي، وإنما يتعلق بالحفاظ على حضور القيم الدينية والثقافية التي تشكل جزءًا من شخصية المجتمع المغربي.
ويؤكد دستور المملكة المغربية هذه المكانة بوضوح، إذ ينص الفصل الأول على أن الأمة تستند في حياتها العامة إلى ثوابت جامعة، من بينها «الدين الإسلامي السمح»، كما ينص الفصل الثالث على أن «الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية».¹¹
ومن ثم فإن المطلوب ليس إقصاء الكتاتيب، وإنما إعادة تأهيلها، وتأطيرها، وتطوير مناهجها، وتكوين العاملين فيها، وربطها بالمنظومة التربوية بما يحفظ خصوصيتها القرآنية ويضمن جودة أدائها.
-دعوة إلى التكامل لا إلى الإقصاء:
إن الموقف المسؤول من قضية الكتاتيب القرآنية ينبغي أن يتجاوز منطق الصراع بين القديم والجديد، أو بين التعليم العصري والتعليم التقليدي.
فالمطلوب هو بناء نموذج تربوي مغربي يستفيد من منجزات التربية الحديثة، ولا يتخلى في الوقت نفسه عن القرآن الكريم وقيمه وعن الموروث التربوي الذي أسهم في تشكيل الشخصية المغربية.
ومن المؤسف أن يُنظر إلى تعليم الطفل القرآن الكريم وكأنه عنصر زائد يمكن الاستغناء عنه، في حين أن القرآن كان على مدى قرون أساسًا من أسس التعليم والتكوين في المجتمع المغربي.
إن الإصلاح الذي ينجح في توسيع التعليم الأولي، ولكنه يضعف الصلة بالقرآن والقيم الدينية، يحتاج إلى مراجعة عميقة لمفهوم التربية نفسها؛ لأن التربية ليست مجرد إعداد طفل قادر على القراءة والكتابة، وإنما هي إعداد إنسان يعرف الخير ويحب الخير ويعمل به.
وقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10].¹²
إن استنكار تهميش الكتاتيب القرآنية وإضعاف حضور القرآن الكريم في التربية الأولية ليس رفضًا للإصلاح، ولا عداءً للتحديث، ولا دعوة إلى الانغلاق، وإنما هو تنبيه إلى ضرورة أن يكون الإصلاح التربوي منسجمًا مع هوية المجتمع وثوابته وقيمه.
فلا ينبغي أن يكون الخيار بين القرآن والعلم، ولا بين الأصالة والحداثة، ولا بين الهوية والانفتاح.
وإنما ينبغي أن يكون المشروع التربوي الناجح هو الذي يجمع بينها في إطار من التوازن والتكامل.
ومن حق الطفل المغربي أن يتعلم العلوم واللغات والرياضيات والتكنولوجيا، ومن حقه كذلك أن يعرف كتاب الله، ويتعلم منه الصدق والرحمة والأمانة وبر الوالدين واحترام الإنسان وخدمة الوطن.
وإن الكتاتيب القرآنية، إذا أحسن تأهيلها وتطويرها، يمكن أن تكون شريكًا حقيقيًا في بناء هذا الإنسان، لا مؤسسة ينبغي تهميشها أو إقصاؤها.
فحماية مكانة القرآن الكريم في التربية الأولى ليست عودة إلى الماضي، وإنما هي حفاظ على أحد أهم جذور الشخصية المغربية، وتجديد لوظيفة تربوية أثبت التاريخ رسوخها، بما ينسجم مع حاجات العصر ومتطلبات الإصلاح.
وإن الوفاء للهوية والثوابت لا يعني الجمود، كما أن التجديد لا يعني القطيعة؛ وإنما الحكمة أن نُجدّد الوسائل ونحافظ على المقاصد، وأن نطوّر المؤسسة دون أن نقتلع جذورها، وأن نفتح للطفل المغربي أبواب المستقبل دون أن نغلق في وجهه باب القرآن الكريم.
============
-الإحالات:
¹ ظهير شريف رقم 1.02.204 بإحداث جائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية، صادر في 12 جمادى الأولى 1423هـ الموافق لـ23 يوليوز 2002م، في بيان مكانة الكتاتيب القرآنية ودورها في تكوين الناشئة وتثبيت القيم الإسلامية.
² القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية: 9.
³ القرآن الكريم، سورة ص، الآية: 29.
⁴ صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، حديث رقم: 5027.
⁵ صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن والصلاة به.
⁶ منشورات التعليم العتيق، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مديرية التعليم العتيق، قسم الكتاتيب القرآنية، وتتضمن عددًا من المؤلفات والدلائل المتعلقة بتعليم القرآن الكريم والكتاتيب القرآنية.
⁷ القرآن الكريم، سورة النحل، الآية: 90.
⁸ القرآن الكريم، سورة لقمان، الآية: 17.
⁹ القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية: 13.
¹⁰ القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، المملكة المغربية، 2019م.
¹¹ دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصلان الأول والثالث.
¹² القرآن الكريم، سورة الشمس، الآيتان: 9-10.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى