المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالجديدة.. احتفالات رسمية وأسئلة معلّقة حول الأثر الحقيقي
بقلم ذ. إدريس بن يزة

بمناسبة الاحتفال الذي احتضنه، اليوم، مقر عمالة إقليم الجديدة، بالذكرى 21 لإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، عاد النقاش مجددا حول حصيلة هذا الورش الملكي، خاصة في ما يتعلق بالمشاريع الموجهة للشباب والفئات الاجتماعية الهشة.
الاحتفال، الذي طغت عليه لغة الأرقام والعروض الرسمية، قدّم صورة إيجابية عن منجزات المبادرة، من حيث عدد المشاريع الممولة، وقيمة الاعتمادات المرصودة، وعدد المستفيدين. غير أن هذه المقاربة الكمية، رغم أهميتها، لا تعكس بالضرورة حقيقة الأثر على أرض الواقع.
فخلف هذه الأرقام، يطرح عدد من الفاعلين والمتتبعين تساؤلات مشروعة: كم من مشروع استطاع الصمود بعد سنة أو سنتين من انطلاقه؟ وكم من شاب تمكن فعلاً من تحقيق استقلال اقتصادي دائم، بعيداً عن منطق الدعم المؤقت؟
الواقع يكشف أن جزءاً غير يسير من المشاريع، خاصة تلك الموجهة للشباب، يصطدم بإكراهات متعددة، أبرزها ضعف المواكبة بعد التمويل، وغياب التتبع الميداني الصارم، إضافة إلى محدودية التكوين في مجالات التدبير والتسويق. وهو ما يجعل بعض هذه المبادرات تنتهي قبل أن تحقق أهدافها، لتتحول من فرصة للإدماج إلى تجربة عابرة.
أما الفئات الاجتماعية الهشة، فرغم استفادتها من برامج الدعم الاجتماعي، فإن هذه التدخلات تظل في كثير من الأحيان ذات طابع ظرفي، لا ترقى إلى مستوى تمكين حقيقي ومستدام. فمحاربة الهشاشة لا تختزل في تقديم مساعدات، بل تتطلب بناء مسارات إدماج شاملة، تبدأ بالتكوين وتنتهي بالاستقلال الاقتصادي.
كما يظل إشكال العدالة المجالية مطروحاً بإلحاح، حيث تستفيد بعض المناطق أكثر من غيرها، في حين تظل مناطق قروية أو هامشية خارج دائرة الاستفادة الكافية، وهو ما يتناقض مع فلسفة المبادرة القائمة على تقليص الفوارق.
ومن بين الملاحظات التي تثير الكثير من التساؤلات، أن جزءاً مهماً من المشاريع المدعومة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بإقليم الجديدة يهم اقتناء سيارات الإسعاف وحافلات النقل المدرسي لفائدة الجماعات الترابية. ورغم الأهمية الاجتماعية لهذه التجهيزات في تحسين الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية، فإن هيمنة هذا النوع من المشاريع يطرح إشكال تنوع التدخلات وفعاليتها في تحقيق الإدماج الاقتصادي للشباب. فهذه المبادرات، بطبيعتها، تندرج ضمن منطق الدعم اللوجستيكي للجماعات أكثر من كونها مشاريع منتجة لفرص الشغل أو محفزة لريادة الأعمال، وهو ما يحدّ من أثرها المباشر على الفئات المستهدفة، خاصة الشباب الباحث عن فرص حقيقية للإدماج الاقتصادي والاستقلالية المهنية.
إن الاحتفال بذكرى المبادرة يظل مناسبة مهمة لتثمين ما تحقق، لكنه في الآن ذاته فرصة لطرح الأسئلة الصعبة دون مجاملة. فالتحدي الحقيقي لم يعد في الإعلان عن مشاريع جديدة، بل في ضمان استمرارية ونجاعة المشاريع القائمة، وربطها بحاجيات السوق، وتعزيز حكامة التدبير، والانفتاح على الكفاءات المحلية الجادة.
في النهاية، يبقى الرهان الأساس هو الانتقال من منطق الاحتفال بالمنجزات إلى منطق تقييم الأثر، لأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاريع، بل بمدى قدرتها على تغيير حياة الناس بشكل ملموس ودائم تنزيلات لرؤية مبدع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده .





