24 ساعةأخبار وطنيةالواجهةمجرد رأي

المغرب بين معاناة الشعب وإشكالية القرار السياسي : عندما يُهمَّش الشرفاء ويُعاد تدوير المفسدين

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

يعيش جزء واسع من الشعب المغربي حالة من القلق الاجتماعي والسياسي الاقتصادي المتزايد، نتيجة ما يراه كثير من المواطنين استمراراً لسياسات لا تعالج جذور الفقر والبطالة وغلاء المعيشة، ولا تضع حداً لتغوّل الفساد والإستبداد والظلم والحكرة ونهب المال العام. وفي قلب هذا النقاش يطرح سؤال جوهري: كيف يمكن لدولة تمتلك مؤسسات وإمكانات مهمة أن تستمر فيها هذه الاختلالات العميقة؟

إن إحدى الإشكالات التي يتداولها الرأي العام المغربي تتعلق بطبيعة دائرة القرار السياسي، وخاصة الدور الذي يلعبه بعض مستشاري الملك داخل المؤسسة الملكية. فبدلاً من أن يكون المستشارون جسراً حقيقياً بين نبض المجتمع ومراكز القرار، يرى كثير من المتتبعين أن هذه الدائرة أصبحت أحياناً فضاءً مغلقاً يعيد إنتاج نفس السياسات ونفس النخب التي أثبتت التجربة محدودية نتائجها.
غير أن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن مستشاري الملك، مهما كانت خبرتهم ومكانتهم، لا يملكون الحقيقة المطلقة. فالحقيقة في القضايا الوطنية الكبرى لا تُصنع داخل دائرة ضيقة، بل تتشكل من خلال الإنصات إلى مختلف أصوات المجتمع: إلى المثقفين، والمناضلين الشرفاء، والفاعلين الاجتماعيين، وحتى إلى المعارضين بمختلف توجهاتهم.
إن الدول القوية لا تخاف من المعارضة، بل تعتبرها جزءاً من حيوية المجتمع ووسيلة لتصحيح الأخطاء. لذلك فإن الحكمة السياسية تقتضي أن يكون باب الاستماع مفتوحاً أمام شرفاء هذا الوطن والمناضلين الصادقين، وكذلك أمام المعارضين بدون استثناء أو إقصاء، لأنهم جميعاً أبناء هذا الوطن ويشتركون في مسؤولية الدفاع عن استقراره ومستقبله.
المشكلة الحقيقية تظهر عندما يتم إعادة تدوير بعض الوجوه المرتبطة بالفساد أو بتبديد المال العام أو بالاستفادة من اقتصاد الريع ونهب الأراضي، بينما يتم تهميش الكفاءات الوطنية التي أثبتت صدقها ونزاهتها عبر سنوات من النضال من أجل العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة ليس فقط الفساد، بل تطبيع الفساد، أي أن يصبح أمراً عادياً داخل دواليب السلطة والإدارة. فعندما يرى المواطن أن من تورطوا في الفساد يعودون إلى مواقع المسؤولية، بينما يُقصى الشرفاء، تتآكل الثقة في المؤسسات ويضعف الإيمان بعدالة الدولة.
ومن الناحية الأخلاقية والدينية، فإن الظلم وأكل أموال الناس بالباطل من أعظم الجرائم. فقد قال الله تعالى:
“ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون”.
إن هذه الآية الكريمة ليست مجرد توجيه فردي، بل هي أيضاً قاعدة للحكم العادل، لأن السلطة عندما تنفصل عن قيم العدالة والمحاسبة تتحول إلى أداة لإثراء القلة على حساب معاناة الأغلبية.
المغرب بلد غني بتاريخه ونضالات شعبه، واستقراره الحقيقي لا يقوم فقط على قوة المؤسسات، بل أيضاً على الثقة بين الدولة والمجتمع. وهذه الثقة لا يمكن أن تُبنى إلا عبر محاربة الفساد بجدية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح المجال أمام الكفاءات الصادقة لخدمة الوطن.
إن اللحظة التي يعيشها المغرب اليوم تفرض شجاعة سياسية وأخلاقية، عنوانها: الإنصات إلى صوت الشعب، وإعطاء الكلمة للشرفاء، وفتح المجال لكل الآراء بما فيها المعارضة. لأن الأوطان لا تُبنى بالتصفيق، بل بالحوار الصادق والنقد المسؤول.
فمن يحب هذا الوطن حقاً لا يخاف من الحقيقة، بل يبحث عنها في كل مكان، ويصغي إليها مهما كان مصدرها.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى