
بقلم: عبد الرحيم بودلال
في نظام سياسي يسود فيه الملك ويحكم، يكون دور مستشاري الملك أداة لإصدار وتطبيق القرارات والتوجيهات الملكية، لكن بدون بروز واضح لشخص الملك ضمن هذه السياسات، حيث ينبغي للملك أن يقف على مسافة من القرارات السياسية المباشرة، وأن ينأى بنفسه عن التجاذبات والسجالات السياسوية كي لا يتسخ بالسياسة. لذلك رغم أن الذي يحدد طبيعة الحكم هو طبيعة اللعبة السياسية وقواعدها الراسخة عبر التاريخ الطويل لمؤسسة المخزن، إلا أن ذلك يطرح لدى المهتمين بالسؤال القانوني عدة أسئلة في ظل غياب أي نص دستوري أو قانوني يحدد اختصاصات المستشار الملكي. ويطرح لدى الباحثين بالسياسية أسئلة أكثر عمقاً؛ أين تبدأ حدود عمل وتحركات المستشار الملكي وأين تنتهي؟ وهل المستشار رجل يعمل تحت جناح الملك أم أنه فاعل سياسي مستقل؟ وهل يعتبر مستشارو الملك منافسين لجهاز الحكومة (حكومة الظل) أم داعمين لها؟
في الدراسات الأنثروبولوجية تم التمييز بين الملك والقصر، أو بين الملك الطبيعي الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، والملك المقدس المحاطة بطقوس التنزيه والقداسة، حيث السياسية أمر دنيوي يصيب صاحبها ويخطأ، لذلك هي مرتبط وفق لعبة سياسية واضحة بمستشاري الملك، بينما مكانة الملك مقدسة لذلك يجب تنزيهه عن كل نقص أو خطأ، في هذا الصدد ظهر بنكران 2011 يدافع عن الملكية ضد الملك. بذلك فإن القصر أو ما يسميه حمودي دار الملك أوسع من الملك نفسه لأنها تتسم بالديمومة، يهم ليس شخص الملك فقط، بل أيضا حياة البلاط، والعائلة الملكية، والمستشارين، وكل ما يحيط بدائرة الملك، ويعبر عن طقوس ولعبة سياسية وتقاليد عريقة، استرجع الحسن الثاني هذه المكانة عندما ولى ادريس البصري على كل مؤسسات الدولة وبقي هو مستخفياً.
العلاقة بين الملك ومستشاريه هي علاقة شخصانية وليست ذات طابع تنظيمي أو بيروقراطي واضح، ومستشارو الملك ليسوا بنفس المكانة، نجد المستشار الملكي “فؤاد عالي الهمة” أقربه إليه ويعتبر صديق الملك.
عرف عبد الهادي بوطالب المستشار الملكي: “لا يعني المستشار الملكي أن الملك في حاجة إلى أن يستفسر المستشار في كل ما يتخذه من قرارات وتدابير، وأن يطلب منه أن يقول رأيه في الشاذة والفاذة، أو أن يعمل برأيه في كل شيء. المستشار رجل دولة تتوفر فيه كفاءات وتكون خلفه تجارب واسعة ويستعمله الملك حين يشاء في المهمة التي يراها بتقديره الخاص” ثم قال: “نحن المستشارين لا نمارس الحكم، لأننا لا نمتلك سلطة القرار التي يملكها الوزراء الذي يمضون على القرارات أو بالعطف على المراسيم”. فبوطالب كان أمينا وواضحا في الأولى لكنه كان سياسيا في الثانية عندما اسند القرار إلى الحكومة في ظل ملكية مطلقة.
إن المستشار الملكي أكثر حظوة ومكانة من الوزير، بل لا يمكن للوزير اتخاذ قرار أو التوقيع على وثيقة دون الحصول على الضوء الأخضر من دائرة الملك، والتي نجد في مقدمتها المستشار الملكي. قد نجد اختلاف في العلاقة بين محيط الملك ورؤساء الحكومات، حاول عبد الرحمن اليوسفي الاشتغال بعيدا عن محيط الملك، لكن قوة الملك الشاب الصاعد الذي عرف بقربه من المواطنين ومن الأوراش الحية جعله ينافس الوزير الأول في اختصاصاته، وعندما قام الملك بتعيين جطو كان اقوى كلمة هي قول اليوسفي للملك “إن هذا خروج عن النهج الديمقراطي”. ثم جسد بنكران تجربة مهمة توضح تطور علاقة رئيس الحكومة المنتخب بمستشاري الملك، حيث في البداية وكما أخبر هو بذلك أنه لم يكن يتلقى أي اتصال من طرف القصر حول التعيينات أو نوع السياسات العمومية المتبعة، لكن بعد ذلك وبحكم حرصه على كسب ثقة القصر فإنه سقط في شباك محيط القصر.
قال الملك الحسن الثاني يوما: “أنا لا أختار مستشارا لي إلا إذا تقلب في وظائف وزارية كبرى ونجح فيها، ومن يتوفر على التكوين السياسي لرجل الدولة”. فمستشارو اللمك لا يجب أن تكون لهم أي انتماءات حزبية أو حركية وأن يكون ولاؤهم المطلقة للمكية، كما يمكن أن ياتوا من خلفيات متعدية، إما أنهم كونوا تجارب سياسية مهمة عبر تقلد مناصب مهمة داخل الدولة، او هم أساتذة وأكاديميين لهم تنظيرات مهمة خدمت دار المخزن، مثل عبد اللطيف المانوني ومحمد معتصم، أو لتجربة سياسية في أحزاب إدارية مثل بوطالب وبنسودة.
لذلك يعد مستشارو الملك مثل الهمة وأندري أزولاي أدوات مساعدة في الحكم وتنزيل سياسات القصر. وقد يشكل مستشاري الملك البنية المخزنية العابرة للحكم والسلطة، بالمحافظ على الطقوس والأعراف التقليدية وصرامة اللعبة السياسية. فالمؤسسة الملكية بتقاليدها وأصولها المخزنية المتجذرة في التاريخ، تجعل من الملك المحور الرئيسي في النظام، يرث حكمه وفق مقتضيات عرفية ودستورية ومراسيم خاصة، الشيء الذي يجعل من الملك مركز كل السلطات يسود ويحكم، ويتدخل في كل المجالات، فمحمد السادس عند اعتلائه لعرش أجداده الميامين، احتفظ بجميع مستشاري والده كمحمد مزيان بلفقيه ومحمد معتصم، وعباس الجيراري وزليخة نصري وأندري أزولاي، لذلك يمكن اعتبار مستشاري الملك مؤسسة مستمرة حتى بعد وفاة الملك، لكنها لا تحكم خارج سلطة الملك.





