المونديال لا يعلّق أخلاقيات التجارة
حين يتحول الشغف الوطني إلى ذريعة لاستنزاف جيوب المواطنين

تكشف المناسبات الكبرى عن الوجه الحقيقي للمجتمعات ومؤسساتها الاقتصادية. فبينما تشكل التظاهرات الرياضية العالمية فرصة لتعزيز التلاحم الاجتماعي وإشاعة أجواء الفرح الجماعي، يختار البعض استغلال هذه اللحظات الاستثنائية لتحقيق مكاسب ظرفية على حساب المواطنين. وما رافق المباراة الافتتاحية للمنتخب المغربي في كأس العالم 2026 من زيادات غير مبررة في أسعار المشروبات داخل بعض المقاهي، يمثل نموذجاً واضحاً لهذا الانحراف السلوكي الذي يستوجب الوقوف عنده بحزم.

من الناحية الاقتصادية، لا يمكن اعتبار الرفع المفاجئ للأسعار خلال ساعات محدودة ممارسة تجارية سليمة، خصوصاً عندما لا يكون مرتبطاً بارتفاع حقيقي في تكاليف الإنتاج أو الخدمات. فالسعر في هذه الحالة لا يعكس قيمة السلعة، بل يعكس حجم الطلب العاطفي المرتبط بحدث وطني جامع. وهنا تنتقل الممارسة من منطق السوق إلى منطق الاستغلال، حيث يصبح المواطن رهينة ظرف استثنائي يتم توظيفه لتحقيق أرباح سريعة تفتقر إلى أي أساس أخلاقي.

إن خطورة هذه السلوكيات لا تكمن فقط في العبء المالي الذي تفرضه على المستهلك، بل في ما تخلقه من تآكل تدريجي للثقة بين الزبون ومقدم الخدمة. والثقة ليست عنصراً ثانوياً في النشاط الاقتصادي، بل هي أحد أهم مقومات استدامته. لذلك فإن كل درهم يُجنى عبر الاستغلال يقابله فقدان جزء من الرصيد المعنوي للمؤسسة التجارية.
الأكثر إثارة للقلق أن هذه الممارسات تتعارض مع القيم التي يفترض أن تؤطر العلاقة بين التاجر والمستهلك، كما تسيء إلى صورة قطاع بأكمله يضم آلاف المهنيين الذين يلتزمون بقواعد المنافسة الشريفة واحترام الزبائن. فلا يجوز أن تتحول المناسبات الوطنية إلى مواسم للمضاربة المقنعة أو إلى فضاءات لتغليب منطق الربح السريع على حساب المسؤولية الاجتماعية.
إن احترام المستهلك ليس خياراً تجارياً يخضع للظروف، بل التزام قانوني وأخلاقي ثابت. ومن هنا تبرز ضرورة تفعيل آليات المراقبة والزجر لحماية المواطنين من كل أشكال الاستغلال المرتبط بالأحداث الكبرى، وترسيخ مبدأ أن النشاط الاقتصادي لا ينفصل عن المسؤولية المجتمعية.
فالمونديال حدث رياضي عالمي يحتفي بالمنافسة الشريفة داخل الملاعب، ومن غير المقبول أن يتحول خارجه إلى فرصة لفرض أسعار استثنائية على المواطنين. وعندما يصبح الشغف الوطني وسيلة للابتزاز الاقتصادي، فإن الصمت لا يكون حياداً، بل تفريطاً في حق المستهلك وفي قيم العدالة التجارية التي يقوم عليها أي اقتصاد سليم.





