24 ساعةالواجهةتربية وتعليمحقوق الإنسان

اليوسفية :​ عن إكراهات النقل المدرسي بالإقليم: حين تُفرغ “الشعارات الرسمية” من مضمونها على طرقات اليوسفية

​ليس أوجع للعين، ولا أشد قسوة على الضمير، من أن تصادف في وضح النهار وتحت لهيب الشمس الحارقة أو صقيع الشتاء، مجموعات متعبة من أطفال القرى وهم يخوضون “مسيرات يومية” صامتة على أقدامهم. محافظ ثقيلة تثني طفولتهم، وخطوات متهالكة تنهك أبدانهم الغضة. هذا المشهد المأساوي لم يعد حالة معزولة، بل بات يتكرر كشريط بطيء وموجع في عدة مناطق بإقليم اليوسفية؛ حيث يجد تلاميذ “دوار الحدادة” بالجماعة الترابية السبيعات أنفسهم محكومين بقدرٍ يومي قاسٍ لقطع 7 كيلومترات ذهاباً ومثلها إياباً نحو “الثانوية الإعدادية ابن البناء”، في رحلة عذاب لا تُبقي من طاقة التعلم شيئاً.

​ولا يقف نزيف المعاناة عند هذا الحد؛ إذ يمتد المشهد ذاته ليشمل تلاميذ الثانوية الإعدادية الشروق بالجماعة الترابية جنان بيه، إلى جانب مؤسسات تعليمية أخرى بقرى الإقليم، حيث يرزح مئات المراهقين والأطفال تحت وطأة العزلة ووعورة المسالك، في مشهد يختزل حجم الهشاشة التنظيمية التي تعاني منها المنطقة.

​تكمن المفارقة الصادمة في كون أسطول النقل المدرسي ليس منعدماً، بل هو متوفر ومُعزّز في عدة جماعات. غير أن آفة التدبير ومحدودية الرؤية الإدارية حوّلتاه إلى هيكل بلا روح، إذ تُقصر الخدمة غالباً على فترتين محددتين: الصباح الباكر والمساء المتأخر.

​وحين ينتهي التلميذ من حصصه في منتصف النهار، أو تباغته ساعات فارغة بين الدروس، يصطدم بجدار مسدود: فلا حافلة تقلّه في هذا التوقيت الحرِج، ولا مرفق احتضان أو فضاء إيواء داخل المؤسسات التعليمية يحفظ كرامته ويحميه من أخطار الشارع ووعورة الطقس.

​هذا الخلل التنظيمي والجمود المؤسساتي يفرضان على أطفال العالم القروي بالجماعات المتضررة (كالسبيعات، وجنان بيه، وغيرهما) مغامرة يومية تمتد على مسافات “ماراثونية” محاذية لمخاطر السيارات والسرعة على الطرقات. إنها باختصار “جريمة زمانية وبدنية” تُهدر فيها طاقات الناشئة قبل أن تينع، وتُعدّ المُغذي الأول لظاهرة الهدر المدرسي في الإقليم، لا سيما في صفوف الفتيات القرويات اللائي يتحملن وزراً مضاعفاً يجمع بين عناء الطريق، ومخاطر العزلة، والإنهاك النفسي والجسدي الذي يقضي تدريجياً على أحلامهن في التمدرس.

​وفي الوقت الذي لا تفتأ فيه البلاغات والتقارير الرسمية تدبّج الأرقام وتطلق الشعارات البراقة حول “تكافؤ الفرص” و”محاربة الهدر المدرسي”، يرتطم الواقع الميداني بسؤال ملحّ ومشروع: أصار النقل المدرسي مجرد إجراء ديكوري تُستعرض به المنجزات وتُغيّب عنه النجاعة والفعالية؟

​إن المقارنة بين وعود الأوراق ومرار الميدان تثبت يقيناً أن العبرة ليست في وفرة الحافلات ولا في كثرة الاجتماعات الشكلية، بل في مرونة الخدمة وحسن إدارتها؛ فاستمرار النقل المدرسي دون خطة مواكبة تخفف معاناة الظهيرة وتدبير الفراغ، يظل حلاً شكلياً لا علاقة له بروح العدالة المجالية.

​إن الخروج من نفق هذه الأزمة الممتدة عبر جماعات الإقليم لا يتطلب مستحيلاً، بل يستدعي إرادة حقيقية وتنسيقاً ميدانياً عاجلاً بين المديرية الإقليمية للتعليم، والمجالس المنتخبة، والجمعيات المسيرة لأسطول النقل، عبر إجراءات عملية من قبيل:

​اعتماد نظام “شوط منتصف النهار”: برمجة رحلات وسيطة تنقذ التلاميذ الذين تتقاطع أوقات دراستهم مع ذروة الحر أو التعب بعد الزوال (سواء بمؤسسات السبيعات أو جنان بيه أو القرى المجاورة).

​تحديث مسارات الحافلات: إرساء هندسة مرنة للنقل تضمن ألا يُترك أي تلميذ عرضة للمشي السحيق والمخاطر المحدقة.

​تأهيل فضاءات الاستقبال: توفير قاعات للمطالعة والاحتضان داخل المؤسسات التعليمية (كإعدادية ابن البناء وإعدادية الشروق) لإيواء التلاميذ خلال الساعات الفارغة وحمايتهم من غياهب الشارع.

و​ختاماً، إن رؤية أبنائنا وبناتنا في مقتبل العمر يستهلكون جذوة طاقاتهم في مسيرات شاقة مجردة من أي معنى سوى طلب العلم، يضع كل المسؤولين بالإقليم أمام اختبار حقيقي للمسؤولية الأخلاقية والوطنية. إن أطفال إقليم اليوسفية من دوار الحدادة بالسبيعات إلى عموم دوائر جنان بيه وباقي الجماعات القروية، لا يطلبون ترفاً، بل يناشدون ضمير المسؤولين لتوفير أسطول نقل يُدار برحمة، وحسن تدبيرٍ يصون كرامتهم، ويحفظ حقهم الدستوري والثابت في التمدرس والارتقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى