بنكيران و عودة السياسة

د فؤاد بوعلي يكتب:
انتهت الانتخابات التشريعية بما لها وما عليها انتهت بقضاياها ومنعرجاتها… انتهت بنجاح البعض وخيبة الكثيرين… لكن الأكيد أن المثير في هذه المرحلة ــ بشهادة الخصوم قبل الأصدقاء ـــ هي عودة البيجيدي القوية بأسمائه وعناوينه وتجاوزه لصدمة النهاية، ومعه عاد الاهتمام الشعبي بالسياسة وانتهت مقاطعة الكثيرين للفعل الانتخابي… والفضل في ذلك يعود لشخص واحد اسمه عبد الإلاه بنكيران
استمعت للعديد من كلمات الأستاذ عبد الإلاه بنكيران في المهرجانات التي نظمتها الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية، وتذكرت قول أحد المقربين من دوائر القرار حين همس لي ذات لقاء بالقول: “الإنصات إلى كلمة بنكيران يعطيك بوصلة السياسة بالمغرب، لذلك يداوم على ذلك الكثير من السياسيين”. وأهمية الكلمات ليست في مضمونها، أو في الاستطرادات التي تملأ حواشيها، وإنما في الرسائل التي تحملها والتي توجه إلى خصوم المشروع الإسلامي والديمقراطي للحزب، ولتأكيده الدائم على المسار الذي بدأه والذي أنتج ثمارا يانعة بالرغم من حقد الخصوم وغيرة المنتظرين. ففي زمن التنافس الانتخابي بين أطياف المصالح الاقتصادية المعبرة عنها بألوان حزبية تظل صورة الأستاذ عبد الإلاه بنكيران هي المميزة للمشهد. عفويته، طلاقته، رؤيته السياسية، وقربه من العامة، تعبيره الصادق عن معتقداته وأفكاره دون مواربة، إصراره على قناعاته… كلها صفات تجعله لا ينتمي إلى جيل المتنافسين على المقاعد، بل إلى جيل الزعماء السياسيين المثيرين للنقاش والتفاعل. وحتى في كلامه الذي يبدو اجترارا تجد وراءه فكرة ناظمة ومؤسسة يحاول ترسيخها لدى أبناء البيجيدي ومن خلالهم شباب المغرب: التأكيد على ثوابت المغرب : الإسلام والملكية والوحدة الوطنية
عندما وجهت لي الدعوة لحضور الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني لحزب العدالة والتنمية الأخير كنت في النقاش على الهامش مع بعض الأساتذة من داخل الحزب وخارجه حول عودة السيد بنكيران إلى أمانة الحزب، وكان رأيي الذي ما زلت أومن به أن السيد بنكيران ليس رجل سياسة عادي من الذين أنتجتهم مرحلة موت السياسة في المغرب بل هو نموذج من الزعماء السياسيين الذين أعادوا الشعب إلى حضن السياسة، لكن الأهم في نظري أنه صاحب مشروع حقيقي نجح في جزء كبير منه وهو المصالحة بين الحركة الإسلامية والملكية، أو تجاوز حالة اللافهم بين الطرفين والتي جعلت منه رقما صعبا في المعادلة السياسية المغربية، وقدم نموذجا مغربيا ناجحا خالصا للعلاقة بين الحكم والإسلاميين في الوقت الذي فشلت فيه تجارب مماثلة في الدول العربية. لذا فقيادته قد منحت المغرب استقرارا ومنحت الإسلاميين وجودا مقدرا تحت شمس التجربة المغربية وقبولا من طرف الدولة بأجهزتها المختلفة(إلى حد ما)، ومنحت المغاربة سبيلا نحو السياسة.
فحين يكون بنكيران في الصورة يعود مؤشر التسييس عند المواطنين قبولا أو رفضا.
وحتى العازف عن الفعل الانتخابي لا تجد له وجودا أو لا يسمع له ضجيجا حين يغيب بنكيران. ويكفي المقارنة بين انتخابات 21 و26 لنعرف الفرق. صحيح أنه ليس منظرا أو يدعي أنه مفكر يقلب في الأفكار والمعارف، أو يدبج مقالات في الحكم والعلاقة مع الآخرين، لكنه استطاع من خلال الممارسة الإجرائية أن ينزل ما عجز عنه الكثيرون، من خلال نسج العلاقات مع كل الطيف السياسي والانفتاح على الكفاءات الوطنية من مختلف المشارب. وكل لقاء يحضره، سواء ثقافيا كان أم فكريا، أم سياسيا، أم اجتماعيا، يكون هو رمزه الأوحد. كثيرون رأوا فيه كفاءة تواصلية قل نظيرها، والبعض رأى أن لديه كاريزما تفرض وجودها، وحتى الذين ينافسونه في الرمزية من داخل الحقل الإسلامي لا يستطيعون نفي قوته ونجاح فكرته، في حين ظلوا هم يرددون أسطوانتهم القديمة. لكن كل التغيرات التي طرأت والتقلبات التي حدثت لم تستطع تغيير قناعاته. لذا لم يتخل عن مبادئه ونافح بقوة عن الهوية الإسلامية، بل كان صوته المرجح الأكبر في مواجهة المشاريع الهادمة للأسرة، ودافع عن العربية وما زال يدافع، وأحفظ منه قولته في لقاء جمعنا: الفرنسة اخطر من التطبيع، لأن التطبيع سينتهي لا محالة يوم تستنفذ الدولة حاجتها منه، لكن الفرنسة ستخلق اجيالا من المرتبطين وجدانيا وثقافيا بالفرنكفونية. والفرنكفونية تعني تأجيل الاستقلال عن المركز الباريسي اقتصاديا وسياسيا وثقافيا. لذا لا يتردد في الدفاع عن العربية بقوة ومواجهة كل محاولات الفرنسة. وله في ذلك محطات وجولات.
لكن الأهم، وكيفما كانت قراءتنا لنتائج الانتخابات الحالية، أنه أعاد الأمل للمغاربة في السياسة… وأعاد بعضا من وهجها.
د. فؤاد بوعلي





