24 ساعةالواجهةمجرد رأي

تبسيط مساطير التعمير: المدخل الرئيسي لمحاصرة البناء العشوائي

يعتبر قطاع التعمير في المغرب من أكثر المجالات التي تعاني من تعقيدات مسطرية وإدارية، وهو ما يفسر إلى حد بعيد استمرار ظاهرة البناء العشوائي رغم المقاربات الزجرية. إن الحل الجذري لهذه المعضلة لا يكمن فقط في تشديد المراقبة، بل في إحداث ثورة في تبسيط الإجراءات القانونية لجعل المسار القانوني هو الخيار الأسهل والأكثر جاذبية للمواطن، خاصة وأن الواقع أثبت أن التعقيد يولد التهرب ويبعد الفئات الهشة عن دائرة المنظومة الرسمية.

​تبدأ الأزمة من تشخيص موضوعي يدفع المواطن نحو “العشوائية”، حيث يجد نفسه محاصراً بين طول المساطر الزمنية التي قد تستغرق شهوراً للحصول على رخصة بناء بسيطة، وبين الكلفة الباهظة للدراسات التقنية وأتعاب المهندسين التي تفوق أحياناً قدرته المالية. يضاف إلى ذلك غياب وثائق التعمير في العديد من المناطق القروية وضواحي المدن، مما يترك المواطن في فراغ قانوني لا يجد معه مخرجاً سوى البناء خارج إطار القانون لتلبية حاجته الأساسية في السكن.

​ولمواجهة هذا الوضع، يبرز تبسيط المساطر كآلية استراتيجية تبدأ بفرض الرقمنة الشاملة عبر منصات تفاعلية تقلص الاحتكاك المباشر مع الإدارة وتعتمد مبدأ “السكوت يعتبر موافقة” ضمن آجال زمنية ملزمة. كما يتطلب الأمر مراجعة شاملة للقوانين المنظمة (مثل القانون 12-90 والقانون 66-12) لإقرار تمايز في التراخيص، بحيث يتم إعفاء الأشغال الصغرى والترميم من تعقيدات المشاريع الكبرى، مع ضرورة تكييف شروط البناء في العالم القروي لتلائم واقعه السوسيو-اقتصادي بدلاً من فرض معايير حضرية تعجيزية مثل شرط الهكتار الواحد.

​علاوة على ذلك، يجب الانتقال من “تعمير العقاب” إلى “تعمير المواكبة”، من خلال تقديم دعم تقني وتصاميم نموذجية مجانية للأسر ذات الدخل المحدود، وتسريع إخراج وثائق التعمير للوجود لتوفير وعاء عقاري قانوني. إن تيسير الحصول على الرخصة وجعلها عملية واضحة ويسيرة التكلفة هو الضمانة الوحيدة لدمج المواطن في النسيج العمراني المنظم، وتحويل القانون من عائق بيروقراطي إلى أداة حماية تخدم التنمية العمرانية وتحفظ كرامة الساكنة وجمالية المجال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى