الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

تقديم كتاب ” الطريق إلى مدريد رحلة إلى أرض الأساطير” لعبد الله مرجان.

تقديم الاستاذ عبد الرحيم مفكير

توطئة:
إن تسمية “أدب الرحلات” تكشف عن طبيعته ومجاله، فهو “أدب” من ناحية منظوره وموارده وصياغته، بما يتطلبه ذلك من لغة وبناء وتصوير، وأما مضمونه فيتصل بتصوير رحلة أو رحلات يقوم بها المؤلف/الرحالة، أي أنه ينهض على تجربة مباشرة وعلى رحلة فعلية، ثم تتم محاولة تحويلها إلى مادة أدبية لغوية تحاول أن تنهض بمهمة تقديم صورة أمينة ومؤثرة لمشاهدات الرحالة وانطباعاته وملاحظاته.
ويعرّف أدب الرحلات -اصطلاحيا- بأنه “مجموع الآثار الأدبية التي تتناول انطباعات المؤلف عن رحلاته في بلاد مختلفة، وقد يتعرض المؤلف فيها لوصف ما يراه من عادات وسلوك وأخلاق، ولتسجيل دقيق للمناظر الطبيعية التي يشاهدها أو يسرد مراحل رحلته مرحلة مرحلة، أو يجمع بين كل هذا في آن واحد.
أدب الرحلة فن نثري وسردي يوثق انطباعات ومشاهدات الكاتب خلال أسفاره إلى بلدان مختلفة، يمزج هذا الفن بين الواقع والمعرفة والتصوير الأدبي، ويُعد مرجعاً هاماً في التاريخ والجغرافيا وعلم الإنسان، كما ورد في أدب الرحلات.
ومن خصائصه الذاتية الحكي بضمير المتكلم، حضور ذات الكاتب بوضوح، الواقعية حيث الأماكن والشخصيات والأحداث حقيقية وليست خيالية.
ومن أبرز أعلام أدب الرحلة ابن بطوطة صاحب الرحلة الشهيرة “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” ابن جبير الذي وثق رحلته الشهيرة التي رصدت أحوال المشرق والمغرب في القرن السادس الهجري، والبيروني الذي تميز بالرصد الدقيق والتحليل الثقافي المتميز.
كتاب عبد الله مرجان رحلة استكشافية لمعمار ومتاحف وحدائق ذات أشكال وهندسة مدهشة ومبهرة، وتوثيقها في كتاب للإطلاع على ما تزخر به دولة إسبانيا من خصائص متفردة في الصناعة والزخرفة والهندسة المعمارية وسلوك وتقاليد وعادات الساكنة.
دواعي تأليف الكتاب:
وإن أهم دواعي تأليف هذا الكتاب تعود إلى ما يلي:
– الكتاب يعكس في جزء منه تجربة فريدة من نوعها في التعرف على تاريخ وثقافة مدريد، تلك العاصمة التي تمثل قلب الثقافة الاسبانية الأوربية فضلا عن الانفتاح عن معالمها التاريخية والمعمارية، مثل قصر مدريد الملكي ومتاحفها الشهيرة كمتحف “البرادو”. توطئة الكتاب ص 11.
* توثيق تجربة شخصية للمؤلف من خلال عرض تفاصيل الرحلة، والتفاعل مع ساكنة مدريد، واستكشاف أنشطة ترفيهية تغري الزوار.
* الوقوف على أوجه التشابه والاختلاف بين ثقافة البلد المضيف وثقافة بلد الأصل، ما يتيح للقارئ فهما أعمق للهوية الثقافية في السياقات العالمية.
* طالما أن الرحلة مليئة بالتحديات والمغامرات، تسلط الضوء على جوانب خفية من أسرار مدينة ساحرة التي قد لا يعرفها الزوار العاديون، وبالتالي فالكتاب دعوة صريحة إلى تحفيز البعض على زيارة مدريد و اكتشاف سحرها.
* إلى جانب ذلك، فالكتاب هو مساهمة متواضعة لتطوير أدب الرحلة وإبراز دور الكتاب العرب في تقديم تجارب سفر ممتعة، مما يفتح أفاقا جديدة للأدب العربي المعاصر. توطئة الكتاب ص 12.
*المؤلف: عبد الله مرجان:
من مواليد قرية أولاد أفرج تابع دراسته بذات القرية إلى أن حصل على شهادة البكالوريا سنة 91، حيث التحق بجامعة أبي شعيب الدكالي وحصل على شهادة الإجازة في الأدب العربي سنة 1995.
اشتغل أستاذا لمادة اللغة العربية بالسلك الاعدادي، ثم عين بعد ذلك بالمديرية الإقليمية للتعليم بالجديدة في مهمة إدارية…
حائز على مجموعة من الشواهد التقدير في ملتقيات ثقافية.
من المتوجين بجائزة مسابقة عوض عبد العال للقصة القصيرة المقامة بالإسكندرية.
صدر له:
* مجموعة قصصية موسومة ب “حب” في مخفر الشرطة” سنة 2021
– رواية تحت عنوان” رحلة العلقم” سنة 2022.
– له قيد الطبع مؤلف عبارة عن حوارات مع كتاب وتشكيليين مغاربة وعرب ومجموعة قصصية.
مضامين الكتاب:
كتاب الطريق إلى مدريد رحلة إلى أرض الأساطير للكاتب الروائي والناقد عبد الله مرجان يقع في 126 صفحة صدر عن منشورات الأطلس للثقافة والإبداع، الطبعة الأولى 2025.
الكناب عمل أدبي يتناول تجربة الكاتب في السفر إلى إسبانيا، مستعرضا جوانب متعددة من تاريخ وثقافة هذا البلد، الرحلة التي ينطلق فيها الكاتب لا تقتصر على التنقل بين المدن والمعالم، بل تأخذ القارئ في جولة عبر الزمن حيث يتناول بعض الأساطير الإسبانية العريقة التي تنسج حولها القصص الشعبية القديمة وتاريخها المليء بالأحداث المشوقة، كما يضم بين ثناياه تفاصيل دقيقة عن الحياة في إسبانيا، ما بين جمال معمارها التقليدي وحداثتها والتناقضات بين العادات القديمة والممارسات المعاصرة.
ويستعرض الشخصيات التاريخية المؤثرة في هذا البلد، ليقدم صورة شاملة عن إسبانيا كمكان ساحر ومفعم بالحكايات والأساطير التي تجعلها وجهة محبوبة للزوار والقراء على حد سواء، كما يبرز كيف أن هذا البلد استطاع أن يكون مركزا لعدة حضارات، وهو ما ينعكس في تنوع ثقافاته وأساطيره التي يرويها الكتاب.
رحلة استكشاف حضارة مدريد، رغم ما تحمله من سحر و جمال، ليست خالية من التحديات والقيود التي قد تعيق الفهم العميق لتاريخها وثقافتها، تلك الإكراهات والعراقيل تتنوع بين عدة جوانب، سواء كانت مادية ثقافية أو حتى اجتماعية، ولعل من هذه الإكراهات الصعوبة في الوصول إلى بعض المواقع التاريخية التي تحمل في طياتها من حضارات قديمة. نافذة على الكتاب ص12\13.
لقد تركت الرحلة انطباعا خاصا
على نفسية الكاتب ورسمت دهشة لا يمحو تقادم السنين آثارها سواء الإيجابية أو السلبية، نظرا لما عايشه حينها من تقلبات مزاجية فرضتها ظروف خاصة، خفف حدتها سحر طبيعة مدريد الفاتن ومآثرها التاريخية والأثرية المتنوعة، وأشجار زيتون باسقات مورقة تبعث على الراحة والمتعة، ناهيك عن اختلاف الثقافات والتقاليد والعادات المرتبطة بأهل هذا البلد الجميل، ولا سيما العاصمة مدريد المتربعة على النهر، هو نفس الانطباع الذي ترك أثره على الفؤاد كلما ولجت قرية أو مدينة من مدن إسبانيا، فالأمر لا يختلف من حيث المعاملة الطيبة وحسن المعشر، فالذاكرة لا زالت تحتفظ بمعاملة ساكنة مدريد وطيبوبتهم التي لمستها في كل من شاءت الأقدار أن أتعامل معه في نطاق قضاء المآرب هي الأخلاق والعادات التي لم يكن يتوقعها بالنظر للتاريخ الأسود لهذا الشعب إبان العصور الغابرة في القمع والتنكيل….. طوى عبد الله مرجان المسافات خلال رحلته وسجل ملاحظاته حول مظاهر مختلفة في الحياة لما شاهده أو سمعه مدججا بأدوات الوصف التي تليق بالمقام. توطئة ص 7\8.
تسلح الكاتب بالصبر من أجل تجاوز العقبات التي واجهها في رحلته، لا سيما أن هناك أماكن بعيدة أو غير مجهزة بشكل ملائم للزوار، مما يجعل من الصعب الوصول إليها أو استكشافها بعمق. كما أن لغة المكان قد تكون عائقا أمام فهم بعض التفاصيل الثقافية، حيث إن اللغة الإسبانية قد تشكل حاجزا لبعض الزوار غير الملمين بها، علاوة على ذلك، هناك العراقيل المتعلقة بتفاصيل التاريخ المعقد الذي شهدته مدريد؛ إذ كانت مسرحا لتحولات ثقافية وسياسية متلاحقة، وهو ما يتطلب من الباحثين والمهتمين بالحضارة الإسبانية وقتا طويلا لفهم التفاعلات التي شكلت هذه المدينة العريقة، بعض المصادر قد تكون متضاربة أو غير متوفرة بشكل كافٍ، مما يضيف عبئا إضافيا على من يسعى لاكتشاف
جوهر هذه الحضارة، كما أن التحديات الاجتماعية، مثل القيود على حرية الوصول إلى بعض المواقع بسبب تنظيمات سياحية صارمة أو مشكلات داخلية بين سكان المدينة، يمكن أن تجعل التفاعل مع الثقافة المحلية معقدا، لذلك، تحتاج رحلة استكشاف حضارة مدريد إلى الصبر من أجل تجاوز هذه العقبات والتمكن من فهم العمق التاريخي والثقافي لهذه المدينة المدهشة، رغم بعض العوائق التي قد تواجه الزوار أثناء رحلة استكشاف حضارة مدريد، إلا أن ذلك لا ينفي أبدا كون المدينة لا مثيل لها، فمدريد بتاريخها العريق ومعالمها تظل وجهة ساحرة وفاتنة المدهشة التي تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم، المدينة التي تجمع من سحر الماضي وروعة الحاضر، تقدم تجربة فريدة من نوعها لكل من حطو على أرضها من قصرها الملكي المهيب إلى ساحة “بلازا مايور” الشهيرة، مرورا بمتحف “البرادو” الذي يضم أروع الأعمال الفنية. نافذة على الكتاب ص 14.
تضمن الكتاب بعد التوطئة ونافذة على الكتاب، العناوين التالية: أولى الخطوات، بداية الرحلة، دخول مياه إسبانيا، من الخزيرات إلى مدريد، وتطأ أقدامنا مدريد، ساعة في البيرنابيو، جولة لمتعة العين وإراحة النفس، مشاهد من العاصمة، معاناتي في التواصل، اليوم الأخير، سبتة… جرح في القلب، ” من الفنيدق إلى سبتة… الحدود الوهمية الجارحة للقلوب، “تاراخال”… المعبر والشاطئ، رجوع للوطن رجوع إلى الله.، على سبيل الختم.
خلاصة:
أحقا، كانت رحلة مدهشة إلى مدريد المدينة الساحرة، فهي ليست مجرد وجهة سياحية، بل هي عالم كامل مليء بالتاريخ والثقافة والفن، ينجلي ذلك بوضوح من خلال شوارعها الحيوية وأسواقها النموذجية إلى معالمها الشهيرة، فهي تمنح الزائر تجربة لا تنسى، لذلك فالسفر ليس فقط اكتشاف الأماكن والانهار بجماليتها، بل هو أيضا اكتشاف الذات من خلال التفاعل مع الحضارات المحتفلة وتقدير الجمال في كل تفاصيل هذه الحياة الجديدة.
لقد أسرت مدريد عقل المؤلف بجمالها ومنحتنه لحظات من التأمل في سكونها وحيويتها بل زرعت في قلبه شغفا لا ينتهي…. الكتاب ص 122.
.. . لاشك أن التعامل مع ثقافات معينة أو العيش في تجارب معينة ستجعل الزائر مسلحاً بمعلومات أكثر دقة عن الحضارات المختلفة مقارنة بما قد يعرفه من قصص قد سمعها عن غيره، وخلال تعامله مع الثقافات المختلفة وفهمها دون أن يتقبل بالضرورة كل ما فيها ستصبح أكثر لطفا وأقل ميولا للحكم على غيره خلال تعامله مع العالم، والأكيد أننا عندما نصبح أكثر انفتاحا على الآخر، نصبح أكثر انفتاحا على أنفسنا، وقد بينت دراسة أن الحياة في الغربة حيث يمكن المقارنة بين قيمنا والقيم التي نقابلها خلال العيش في مواقف مختلفة وتعاملنا مع أناس مختلفين تجعلنا أكثر فهما لأنفسنا وأقل توثرا، أيضا يساهم السفر في المرونة الإدراكية في أدنغتنا وهو مصطلح يشير به علماء النفس إلى القدرة على التنقل بين الأفكار وذلك عن طريق تحدي الطرق التي اعتدنا على رؤية الأشياء من خلالها أو القيام بها، وبهذا ستتطور لدينا المهارات الإبداعية أيضا. الكتاب ص124\125.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى