مجرد رأي

حديث الساعة : حين تنطفئ أضواءالمشهد المسرحي… ماذا يبقى للمسرح بالجديدة؟ صمم صورة

يبدو المشهد المسرحي بمدينة الجديدة وكأنه يقف عند مفترق طرق؛ فبين تعدد المهرجانات واللقاءات الفنية، وبين الأسئلة المتكررة حول واقع الإبداع ومآل التجربة المسرحية المحلية، تتسع الهوة بين الاحتفاء بالمسرح بوصفه مناسبة، وبين بنائه باعتباره مشروعاً ثقافياً وتنموياً مستداماً.

إن المتتبع لوضع المسرح الجديدي وما آل إليه لا يمكنه إلا أن يتوقف عند أسئلة جوهرية: لماذا تراجع وهج الفعل المسرحي؟ أين اختفت بعض مظاهر الإبداع والتجديد؟ ولماذا لا تتحول التظاهرات المسرحية المتعاقبة إلى رافعة حقيقية لتطوير الفرق المحلية، وتأهيل الشباب، وبناء جمهور مسرحي دائم؟

لا شك أن المسرح الجديدي يواجه تحديات متعددة، لكن الأزمة لا تكمن فقط في محدودية الإنتاج أو ضعف الإمكانات، بل تمتد إلى غياب رؤية واضحة ومتكاملة للنهوض به. فالأزمة تصبح أكثر تعقيداً حين تتكرر الأسئلة نفسها في الندوات واللقاءات، وتُصاغ التوصيات ذاتها، ثم ينتهي الأمر إلى عودة الأوراق إلى الرفوف، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ أو التقييم أو المتابعة.

لقد تحولت بعض النقاشات المسرحية، مع مرور الوقت، إلى فضاءات لتشخيص الأعطاب أكثر من كونها محطات لصناعة الحلول. تتكرر الدعوات إلى التكوين والتجديد ودعم الفرق، لكن السؤال الذي يظل معلقاً هو: من يتولى تحويل هذه الدعوات إلى برامج عملية؟ ومن يحدد الأولويات؟ ومن يتابع التنفيذ ويقيس النتائج؟

وفي المقابل، يلاحظ المتابع تنامي حضور المهرجانات والتظاهرات المسرحية، وهو أمر يمكن أن يشكل مكسباً ثقافياً إذا ارتبط بمشروع واضح، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة مشروعة حول طبيعة هذا التوسع وأهدافه. فهل أصبح تنظيم المهرجانات غاية في حد ذاته؟ وهل يكفي أن تتعدد التظاهرات حتى نحكم بأن المسرح المحلي يتطور؟ أم أن المهرجان ينبغي أن يكون وسيلة لخدمة الإبداع، لا بديلاً عنه؟

إن المهرجان، في جوهره، محطة للاحتفاء بالمسرح وتبادل التجارب واكتشاف المواهب، لكنه لا يستطيع وحده أن يعوض غياب البنيات المستدامة، ولا أن يحل محل التكوين والتأطير والمواكبة. فنجاح دورة مهرجان لا يعني بالضرورة نجاح الموسم المسرحي، كما أن امتلاء القاعات خلال أيام محدودة لا يكفي دليلاً على وجود جمهور مسرحي قار، أو على تطور مستوى الإنتاج المحلي.

ومن هنا تبرز ضرورة طرح سؤال الكلفة والأثر: ما حجم الموارد التي تُرصد لهذه التظاهرات؟ وما النتائج الملموسة التي تتركها وراءها؟ وكم من مشروع فني يستمر بعد إسدال الستار؟ وكم من شاب اكتسب مهارات جديدة؟ وكم من فرقة وجدت دعماً يساعدها على إنتاج عمل جديد وتطوير تجربتها؟ وكم من جمهور جديد جرى استقطابه إلى المسرح؟

إن المقصود ليس التقليل من قيمة المهرجانات أو التشكيك في جهود القائمين عليها، بل الدعوة إلى تقييمها وفق نتائجها الثقافية والفنية، وربط الإنفاق بالأثر، والاحتفاء بالمناسبة ببناء ما بعدها. فالموارد التي تُنفق على تظاهرة يمكن أن تتحول، ضمن رؤية متكاملة، إلى استثمار في ورشات تكوينية منتظمة، وإقامات فنية، ومواكبة للفرق الشابة، ودعم للإنتاج المسرحي، وبرامج للتربية المسرحية داخل المؤسسات التعليمية والثقافية.

ولعل السؤال الأعمق هو: أين هو المشروع المسرحي الذي يجمع هذه المبادرات ويوجهها نحو أهداف مشتركة؟ أين الخطة التي تحدد مكامن القوة والضعف، وتضع أولويات واضحة، وتحدد ما ينبغي إنجازه خلال سنة أو ثلاث أو خمس سنوات؟ وأين المؤشرات التي تسمح لنا بمعرفة ما إذا كان المسرح الجديدي يتقدم فعلاً أم يكتفي بتكرار الأنشطة نفسها بأسماء مختلفة؟

إن أي مشروع جاد للنهوض بالمسرح المحلي ينبغي أن يبدأ بتشخيص موضوعي للواقع، لا بالاكتفاء بالانطباعات العامة. يحتاج إلى جرد الفرق النشيطة، ورصد حاجياتها، ومعرفة وضع البنيات والتجهيزات، وتقييم فرص التكوين، والوقوف على علاقة المسرح بالجمهور، ثم صياغة برنامج قابل للتنفيذ، بميزانية واضحة ومسؤوليات محددة وآليات للتتبع والتقييم.

كما أن الرهان لا ينبغي أن يظل محصوراً في استضافة عروض من خارج المدينة أو تنظيم لقاءات موسمية، مهما كانت أهميتها، بل يجب أن يمتد إلى بناء قدرة محلية على الإنتاج والإبداع. فالمسرح الجديدي يحتاج إلى فضاءات تحتضن التجارب، وإلى ورشات تكوينية مستمرة، وإلى دعم المواهب الصاعدة، وإلى فرص حقيقية أمام الفرق كي تنتج وتعرض وتتطور، وإلى جسور تربط المؤسسات الثقافية بالمدارس والجامعات والجمعيات والفاعلين المحليين.

ومن الضروري كذلك ألا يُختزل المسرح في أسماء محدودة أو تجارب بعينها، بل أن يُفتح المجال أمام أجيال جديدة، وأن تُمنح الكفاءات الشابة فرصة التعلم والممارسة والمشاركة في صناعة القرار الثقافي. فالمسرح لا يتجدد بالخطاب وحده، وإنما بتجديد أدواته، وتوسيع قاعدة ممارسيه، وإتاحة الفرصة أمام أصوات وأساليب جديدة.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية المؤسسات المعنية والفاعلين الثقافيين في الانتقال من منطق تدبير التظاهرات إلى منطق بناء السياسات الثقافية المحلية. فالمؤسسة التي تتولى مسؤولية النهوض بالمسرح لا ينبغي أن تكتفي بإعداد برنامج سنوي من الأنشطة، بل عليها أن تمتلك تصوراً واضحاً لمستقبل هذا الفن، وأن تكون قادرة على الإجابة عن أسئلة من قبيل: ما الذي نريد تحقيقه؟ ما الفئات التي نستهدفها؟ كيف سنطور التكوين والإنتاج؟ وكيف سنضمن استمرارية المشاريع وقياس أثرها؟

كما أن المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها؛ فالفرق المسرحية والجمعيات والفاعلون الثقافيون مطالبون بدورهم بتجديد أساليب العمل، وتطوير المشاريع، وتعزيز التعاون، والانتقال من المبادرات المتفرقة إلى شراكات تقوم على أهداف واضحة والتزامات متبادلة. فالنهوض بالمسرح مسؤولية جماعية، لكنه يحتاج إلى قيادة ثقافية تمتلك الرؤية والقدرة على التنسيق والمتابعة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الفعل المسرحي هو أن تتحول البهرجة إلى معيار للنجاح، وأن تصبح الصور والبلاغات وأعداد الضيوف أكثر حضوراً من الأعمال الفنية نفسها. فالمسرح لا يُقاس بعدد المهرجانات وحده، ولا بحجم الدعاية المصاحبة لها، وإنما بما يضيفه إلى المشهد الثقافي، وبما يخلقه من تجارب جديدة، وبما يتركه من أثر في الفنان والجمهور والمدينة.

ولا يمكن الحديث عن نهضة مسرحية حقيقية دون الاهتمام بالجمهور. فالجمهور لا يُستقطب بمجرد دعوته إلى عرض عابر، بل عبر علاقة مستمرة تُبنى بالتربية المسرحية، والبرمجة المنتظمة، وتنوع العروض، وتقريب المسرح من الأحياء والمؤسسات التعليمية والفضاءات الثقافية. فالمطلوب ليس جمهوراً يحضر المهرجان فقط، بل جمهوراً يجد في المسرح حاجة ثقافية وفنية متجددة.

إن الجديدة، بما راكمته من تجارب وطاقات وذاكرة ثقافية، تستحق أن يكون لها مشروع مسرحي واضح المعالم، لا يكتفي بتدبير الحاضر، بل يستثمر في المستقبل. مشروع يربط بين التكوين والإنتاج والعرض، وبين المهرجان والاستمرارية، وبين دعم التجارب القائمة وفتح المجال أمام المواهب الجديدة.

وفي نهاية المطاف، ليست المشكلة في وجود المهرجانات، بل في أن تظل المهرجانات منفصلة عن مشروع متكامل. وليست المشكلة في تنظيم التظاهرات، بل في غياب ما يجعلها لبنات في مسار طويل للنهوض بالمسرح.

فالمسرح الجديدي لا يحتاج إلى مزيد من المناسبات بقدر ما يحتاج إلى رؤية، ولا إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى خطة، ولا إلى احتفاء عابر بقدر ما يحتاج إلى مشروع يضمن استمرارية الإبداع.

وإذا كانت المهرجانات قادرة على جمع المسرحيين تحت الأضواء، فإن المشروع الحقيقي هو الذي يضمن لهم فضاءً للعمل والتكوين والإنتاج بعد انطفاء الأضواء.

فهل نريد مسرحاً يُحتفى به أيام المهرجانات، أم مسرحاً حياً يصنع الإبداع طوال السنة؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى