الواجهة

حماس: حركة غير قابلة للكسر

 

أمية يوسف حسن أبوفداية
باحث وخبير استراتيجي مختص في شؤون القرن الإفريقي.

منذ انطلاقتها أواخر عام 1987، حافظت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” على حضور لافت ومؤثر في الساحة الفلسطينية، بل وفي الإقليم العربي والإسلامي عمومًا. ورغم كل ما واجهته من حروب واغتيالات وحصار، إلا أن الحركة لم تنكسر، بل ازدادت حضورًا وتجذرًا، وعمقًا سياسيًا وتنظيميًا. ولعل وصفها بـ”الحركة غير القابلة للكسر” ليس من قبيل المجاز، بل هو وصف تقرّه الوقائع والمعطيات على مدى ما يزيد عن ثلاثة عقود من الصراع، والبناء، والمواجهة، والتطور.
أولاً: الانتماء الإسلامي السني المعتدل
الهوية الفكرية لحركة حماس واضحة ومتوازنة. فهي تنتمي إلى الإسلام السني، وتحديدًا إلى مدرسة الإخوان المسلمين. لكن ما يميزها أنها لم تكن حركة مغلقة أو متشددة، بل اتسمت بالاعتدال في الفهم والممارسة. هذا الاعتدال مكّنها من الانفتاح على فصائل وشخصيات وتيارات لا تشاركها المرجعية الدينية، لكنها تشاركها الهمّ الوطني والهدف التحرري. وفي زمنٍ شهد تطرفًا دينيًا وتمزقات مذهبية، ظهرت حماس كتيار إسلامي وطني قادر على الجمع بين الثوابت الدينية ومقتضيات العمل السياسي المعاصر.
هذا الانتماء المعتدل وفّر للحركة غطاءً شعبيًا واسعًا، ليس فقط داخل غزة أو الضفة، بل أيضًا في الشتات الفلسطيني وفي المجتمعات العربية والإسلامية التي وجدت فيها نموذجًا مغايرًا للحركات الإسلامية المسلحة. نموذجٌ مقاوم، لكنه ليس عابرًا للعنف؛ مؤمن بالمقاومة، لكنه لا يعادي السياسة؛ متدين، لكنه منفتح على الآخر الفلسطيني والعربي والدولي.
ثانيًا : التنظيم المنضبط العاصم من الانشقاق والاختراق
لعل أحد أبرز أسرار قوة حماس هو هيكلها التنظيمي المنضبط والمتماسك. ففي الوقت الذي عصفت فيه الانقسامات بكثير من الحركات الوطنية والقومية والإسلامية، استطاعت حماس أن تحافظ على وحدتها التنظيمية، دون أن تشهد صراع أجنحة، أو تنازعًا بين القيادة السياسية والعسكرية، أو انقسامات أيديولوجية بين الأجيال.
هذا الانضباط التنظيمي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج بناء دقيق ومستمر، يقوم على وضوح المرجعية، وحُسن توزيع الأدوار، واعتماد الشورى المؤسسية، والتركيز على التربية الفكرية والتنظيمية. كما أن قيادتها حرصت على تدوير الكوادر، وتجديد الصفوف، وتقديم الكفاءات الشابة، دون أن تُقصي القادة التاريخيين أو تُفرط في الثوابت.
وقد أثبتت التجربة أن حماس عصية على الاختراق الخارجي أو التفكيك الداخلي، رغم محاولات أجهزة استخبارات متعددة، ورغم الإغراءات والضغوط التي مورست ضد بعض أفرادها. فالثقة المتبادلة بين القيادة والقاعدة، وبين الجناح السياسي والعسكري، شكلت درعًا واقيًا أمام أي محاولة لزعزعة الحركة من الداخل.
ثالثًا: العلاقات الممتدة داخليًا وخارجيًا .
حماس ليست مجرد تنظيم مسلح أو حزب سياسي، بل هي حركة ذات امتدادات اجتماعية واسعة، داخل فلسطين وخارجها. ففي الداخل، نسجت علاقات متينة مع مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، بما في ذلك اليساريين والوطنيين، والمستقلين، وشيوخ العشائر، وقطاعات المجتمع المدني، والنقابات، والجامعات، واللجان الشعبية. وقد ساعدها خطابها الجامع ومواقفها الوطنية على كسب ثقة أطياف متعددة، حتى ممن يختلفون معها فكريًا أو سياسيًا.
أما خارجيًا، فقد نجحت حماس في بناء شبكة علاقات مرنة ومركبة، مع دول ومحاور قد تكون مختلفة في رؤاها ومواقفها، لكنها تجد في الحركة طرفًا وطنيًا شجاعًا ومنفتحًا. فقد احتفظت حماس بعلاقات قوية مع دول عربية وإسلامية رئيسية، مثل مصر وتركيا وقطر، وكذلك مع إيران، رغم الاختلاف المذهبي معها، وهو ما يعكس قدرة الحركة على الموازنة بين المبادئ والمصالح.
كما طورت علاقاتها مع حركات سياسية وشعبية عربية، واحتفظت بمكانة معتبرة داخل الجامعات، والمؤسسات الإسلامية، ومنظمات المجتمع المدني، والأحزاب القومية والإسلامية في العالم العربي والإسلامي، ما جعلها قضية لا تخص الفلسطينيين فقط، بل تخص وجدان أمة بأكملها.
رابعًا : الخيار الديمقراطي والانتصار الانتخابي.
لا يمكن تجاهل أن حماس كانت أول حركة مقاومة إسلامية في العالم العربي تخوض انتخابات ديمقراطية نزيهة، وتفوز فيها. في انتخابات 2006 التشريعية، تمكنت الحركة من الفوز بأغلبية برلمانية، في انتخابات شهد الجميع بنزاهتها، بما في ذلك المراقبون الدوليون.
هذا الفوز لم يكن مجرد رقم سياسي، بل كان تعبيرًا عن ثقة شعبية عريضة ببرنامج الحركة، وتطلع الناس إلى نموذج حكم مختلف. صحيح أن هذا الفوز تلاه حصار مشدد وصراع سياسي داخلي، إلا أن حماس أكدت من خلاله أنها ليست مجرد “جماعة ضغط”، بل فاعل سياسي شرعي يملك مشروعية صناديق الاقتراع، كما يملك مشروعية المقاومة.
ورغم تعقيدات المشهد السياسي الفلسطيني، وتعطل مسار المصالحة، فإن الحركة لم تتخلَّ عن خيار العمل الديمقراطى، وعبّرت مرارًا عن استعدادها لخوضها من جديد، متى توفرت شروط النزاهة والضمانات الوطنية.
خامسًا: حصر العمل المسلح ضد الاحتلال فقط
في ظل فوضى السلاح، والانزلاقات التي شهدتها بعض الحركات المسلحة في المنطقة، تميزت حماس بانضباطها الصارم في استخدام القوة. فبخلاف ما يُشاع، لم تتورط الحركة في استخدام سلاحها ضد المدنيين الفلسطينيين أو ضد خصومها السياسيين. بل ظل العمل المسلح محصورًا ضد الاحتلال الإسرائيلي، ضمن قواعد واضحة، وقيادة موحدة، ومرجعية سياسية.
هذا الانضباط أكسب جناحها العسكري “كتائب القسام” احترامًا واسعًا، ليس فقط في أوساط الفلسطينيين، بل حتى في أوساط الخصوم. فالاحترافية، والقدرة على التطوير، والانضباط الأخلاقي، كلها عوامل جعلت من القسام نموذجًا مميزًا في العمل المقاوم المعاصر.
وفي كل الحروب التي خاضتها غزة، لم يكن هدف القسام أو حماس تحقيق انتصار إعلامي فقط، بل حماية الشعب، وردع العدوان، وفرض معادلات جديدة على الأرض. وقد نجحت إلى حد بعيد في هذا، رغم فداحة التضحيات.
سادسًا : الحركة الولود… لا تموت بالاغتيال
أحد أهم خصائص حماس، أنها ليست مرهونة بشخص أو قيادة معينة. فمنذ التأسيس، والحركة تعمل على بناء جيل بعد جيل، وتدريب كوادر في المستويات كافة: القيادة، والإدارة، والسياسة، والميدان. ولذلك، فإن استشهاد القادة لم يكن نهاية، بل كان دائمًا بداية جديدة.
استشهد الشيخ أحمد ياسين، فتقدم عبد العزيز الرنتيسي، ثم خالد مشعل، ثم إسماعيل هنية، ويحيى السنوار، وغيرهم من القادة السياسيين والعسكريين الذين حملوا الراية بلا انقطاع. وليس في الصف الأول فقط، بل في الصفوف الثانية والثالثة والعاشرة، كما يُقال، ما يجعل الحركة في حالة جاهزية دائمة، وتجدد حيوي مستمر.
هذا “الولود السياسي” نابع من رؤية استراتيجية ترى أن المشروع أهم من الأفراد، وأن الدماء لا توقف المسار، بل تزكيه، وتدفعه إلى الأمام.
مرونة سياسية مذهلة:
ربما كانت واحدة من أكثر اللحظات التي فاجأت المراقبين، بل أربكت خصوم الحركة، حين أبدت حماس في وقتٍ ما استعدادًا أوليًا للتعامل مع مبادرة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لإيقاف الحرب على غزة، رغم ما فيها من مآخذ وتنازلات.
ما فُهم على أنه تنازل، تبين لاحقًا أنه شكل من أشكال المرونة التكتيكية التي تُجيدها الحركة دون أن تفرط في الثوابت. لم يكن القبول موافقة، بل مناورة سياسية ذكية، هدفت إلى عدم تفويت الفرصة، وكشف النوايا، وكسب الوقت، والتموضع في موقع المتفاعل لا المنفعل.. وتقديم مصلحة الشعب الفلسطيني والغزاوى على مصلحة الحركة .
وقد اعترف مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون بأن حماس فاجأتهم بمرونتها وقدرتها على المناورة السياسية، وهو ما يدل مرة أخرى على تماسكها الداخلي، وحيويتها القيادية، واستعدادها لإدارة الأزمات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى