
بعد كل استحقاق انتخابي، يتكرر المشهد نفسه: وجوه شابة ملأت الفضاءات الافتراضية بالصور والشعارات، وحضرت الأنشطة والمناسبات، وظنت أن طريق النجاح السياسي يُعبَّد ببعض اللقاءات والمنشورات والتقاط الصور مع المواطنين. ثم تأتي النتائج صادمة، فيكتشف أصحابها، بعد فوات الأوان، أن السياسة ليست جمعية، وأن صندوق الاقتراع لا يوزع شهادات المشاركة.
يبدو أن بعض الشباب دخلوا غمار العمل السياسي وهم يحملون معهم أدوات العمل الجمعوي، معتقدين أن ما يصلح لتنظيم نشاط أو قافلة أو حملة تحسيسية يكفي أيضاً لبناء مشروع سياسي. غير أن للسياسة قواعد أخرى لا ترحم؛ فهي لا تعترف بعدد الصور المنشورة، ولا بحجم التفاعل من إعجابات وتعليقات، ولا بعدد المناسبات التي جرى حضورها أمام عدسات الكاميرات.
المشكلة لا تكمن في حماس هؤلاء الشباب، بل في تصورهم الملتبس للسياسة. فقد اختزلها بعضهم في الظهور الموسمي، والحضور خلال الحملات الانتخابية، وانتظار مكافأة المواطن على أنشطة متفرقة هنا وهناك. وكأن الناخب مدعو إلى التصويت للأكثر ظهوراً، لا للأقرب إلى قضاياه والأقدر على ملامسة انشغالاته.
والحقيقة التي لا يزال استيعابها عسيراً على البعض هي أن السياسة ليست عرضاً موسمياً. فالمواطن لا يبحث عن شخص يطرق بابه كلما اقترب موعد الانتخابات، بل عن فاعل ظل حاضراً حين كانت الأضواء مطفأة، وحين لم تكن هناك أصوات تُطلب ولا مناصب تُنتظر.
كم من شاب اعتقد أن بضع سنوات من النشاط الجمعوي تكفي لتحويله إلى رقم مؤثر في المعادلة السياسية؟ وكم من شخص توهم أن الشعبية داخل دائرة ضيقة أو على مواقع التواصل ستنتقل تلقائياً إلى صناديق الاقتراع؟ لكن الواقع جاء أكثر قسوة من التوقعات، لأن السياسة ليست مسابقة في الحضور، بل امتحان في الثقة والمصداقية والاستمرارية.
المواطن اليوم لم يعد ذلك المتفرج الصامت الذي تنطلي عليه الشعارات الرنانة. لقد أصبح يميز بين من يعيش قضاياه طوال السنة ومن لا يتذكره إلا في المواسم الانتخابية، وبين من يشتغل بصمت ومن لا يتحرك إلا أمام الكاميرا. كما يدرك جيداً الفارق بين من يحمل مشروعاً سياسياً حقيقياً ومن يبحث فحسب عن موطئ قدم داخل المشهد.
لذلك، فإن أكبر خطأ قد يرتكبه أي شاب هو أن يتعامل مع السياسة بوصفها نسخة موسعة من العمل الجمعوي. فالعمل الجمعوي قد يمنح صاحبه تجربة مهمة، لكنه لا يمنحه تلقائياً شرعية سياسية. والسياسة لا تكافئ النوايا الحسنة وحدها، بل تكافئ من ينجح في بناء علاقة حقيقية مع المواطنين، ويختار أن يكون قريباً منهم قبل الانتخابات وبعدها، لا أثناء الحملة فقط.
ربما آن الأوان لبعضهم كي يعيدوا طرح السؤال على أنفسهم: هل كانوا يمارسون السياسة فعلاً، أم كانوا يزاولون أنشطة جمعوية داخل فضاء سياسي؟
فالمسافة بين العمل الجمعوي والعمل السياسي شاسعة، ومن لا يدرك هذه الحقيقة مبكراً، غالباً ما يكتشفها متأخراً… يوم إعلان النتائج.





