24 ساعةأحزابأخبار الرياضةأخبار وطنيةالواجهةعالم السياسة

حين تتحول كرة القدم إلى أفيون سياسي. من يُتابع ملفات الشعب ؟

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

مرة أخرى، يطفو على السطح مشهد الاحتفال الكروي، بعد قرار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بمنح لقب جديد للمغرب، في سياق تُقدَّم فيه هذه الإنجازات باعتبارها ثمرة عمل جاد من طرف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. لا أحد يُنكر أهمية الرياضة، ولا قيمة الانتصارات الرمزية في رفع المعنويات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح أخلاقي وسياسي: لماذا تُدار ملفات الكرة بكل هذه الصرامة والاحترافية، بينما تُترك ملفات الفساد تنخر جسد الدولة والمجتمع دون نفس الإرادة؟

إن المفارقة الصارخة تكمن في أن ما تستطيع الدولة فعله في مجال كرة القدم — من تعبئة، تتبع، محاسبة، وتخطيط — تكشف بالضرورة أنها تملك القدرة نفسها، بل وأكثر، على فتح ملفات الفساد الكبرى، من اقتصاد الريع، إلى تضارب المصالح، إلى نهب المال العام. لكن الإرادة هنا تبدو انتقائية، تُفعّل حين يتعلق الأمر بصورة الدولة، وتغيب حين يتعلق الأمر بكرامة المواطن.
الحكومة، التي يفترض فيها أن تكون حامية للصالح العام، تحولت في نظر فئات واسعة إلى واجهة لتدبير مصالح لوبيات اقتصادية نافذة. نفس الصرامة التي تُدار بها الصفقات الرياضية، أين هي حين يتعلق الأمر بأسعار المحروقات، أو الأدوية، أو العقار؟ لماذا لا نرى لجان تتبع يومية، ولا بلاغات شفافة، ولا محاسبة حقيقية؟
أما الأحزاب السياسية، فقد سقطت في امتحان الوساطة. بدل أن تكون صوت المجتمع، أصبحت في كثير من الأحيان جزءاً من منظومة الصمت، أو التبرير، أو حتى الاستفادة. والنقابات، التي يُفترض أن تدافع عن الطبقة العاملة، دخلت في سبات طويل، أو في مساومات تُفرغ النضال من معناه.
الإعلام بدوره، إلا من رحم ربك، انخرط في لعبة التلميع، حيث تُضخَّم الإنجازات الرياضية، وتُهمَّش قضايا الفساد، أو تُقدَّم بشكل سطحي لا يزعج مراكز النفوذ. وهنا يصبح الإعلام، بدل أن يكون سلطة رابعة، مجرد صدى للسلطة والمال.
أما مؤسسات الحكامة، التي أُنشئت لضمان الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن حضورها في قضايا الفساد الكبرى يظل باهتاً، متردداً، وأحياناً غائباً بشكل يطرح أكثر من علامة استفهام. التقارير تُنجز، نعم، لكن أين الأثر؟ أين المحاسبة؟ أين استرجاع الأموال المنهوبة؟
إن أخطر ما في هذا الوضع ليس فقط استمرار الفساد، بل تطبيع المجتمع معه. حين يُقنع المواطن بأن الفرح الكروي يكفي لتعويض الظلم الاجتماعي، نكون أمام عملية تخدير جماعي، تُستعمل فيها الرياضة كأداة لصرف الأنظار، لا كرافعة للتنمية.
المغرب لا يحتاج فقط إلى ألقاب كروية، بل إلى عدالة اجتماعية، إلى مؤسسات قوية، إلى إرادة سياسية حقيقية تضع المواطن في قلب السياسات العمومية. فكما تُتابع ملفات الكرة بدقة، يجب أن تُفتح ملفات الفساد بلا تردد، وبنفس الحزم، لأن كرامة المواطن ليست أقل قيمة من كأس تُرفع أو لقب يُمنح.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل نحن أمام دولة تُجيد إدارة الصورة، أم دولة تملك الشجاعة لإصلاح الجوهر؟

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى .

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى