
هناك لحظات لا ينتظر فيها المواطن من حكومته حلولاً سحرية، بل ينتظر منها أن تكون حاضرة، أن تتحدث، أن تواسي، أن تعترف بالألم، وأن تمنح أسر الضحايا شعوراً بأن أبناءهم لم يرحلوا في صمت الدولة.
فاجعة سواحل الفنيدق كانت واحدة من تلك اللحظات، عشرات الأسر عاشت ساعات من القلق والترقب، بين مفقودين وضحايا وشباب دفعهم اليأس إلى المجازفة بأرواحهم، وفي مثل هذه الظروف، يصبح التواصل الرسمي جزءاً من المسؤولية، وليس مجرد خيار بروتوكولي.
في الضفة الأخرى، تحرك رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، إلى سبتة، وعقد مؤتمراً صحفياً، وتواصل مع مسؤولي المدينة، وأعلن تعبئة مختلف الإمكانات، وقدم تعازيه وأسفه لما جرى، إلى جانب عرض الرواية الرسمية لبلاده، قد يختلف كثيرون مع مواقفه السياسية، لكن حضوره في إدارة الأزمة كان واضحاً ومباشراً.
أما في المغرب، فكان الغياب لافتاً، لم يصدر عن رئيس الحكومة خطاب يواسي أسر الضحايا، ولا رسالة تعترف بحجم المأساة، ولا تواصل يعكس أن الدولة تستشعر هول ما عاشته تلك الأسر، وفي الوقت نفسه، استمر الخطاب السياسي في الحديث عن الإنجازات والمسار التنموي، وكأن المأساة تجري في مكان آخر.
وليس المقصود من هذه المقارنة المفاضلة بين حكومتين، وإنما إبراز الفرق بين ثقافتين في تدبير الأزمات، فحين تقع الكوارث، لا يكون المواطن في حاجة إلى لغة الأرقام والوعود، بل إلى مسؤول يشعر بواجعه، ويخاطبه بصدق، ويؤكد أن الدولة حاضرة إلى جانبه.
المؤلم في هذه الفاجعة ليس فقط عدد الضحايا، بل الرسالة التي حملتها، شباب اختاروا ركوب المجهول، مدركين أن البحر قد يكون نهاية الرحلة، ومع ذلك مضوا، وهذه الحقيقة، في حد ذاتها، تستحق وقفة وطنية صادقة تتجاوز لغة التبرير والخطابات الجاهزة، لتطرح السؤال الحقيقي: لماذا أصبح الموت في البحر، بالنسبة إلى بعض الشباب، أقل رهبة من البقاء؟
إن الدول تُقاس في أوقات الأزمات قبل أوقات الرخاء، والقيادات تُعرف بمواقفها عندما يشتد الألم، لا عندما تُفتتح المشاريع وتُلقى الخطب، لذلك، فإن أقل ما كان ينتظره المغاربة في هذه الفاجعة هو كلمة مواساة، ورسالة تضامن، وموقف يليق بكرامة الضحايا وأسرهم.
فالصمت، مهما كانت مبرراته، لا يواسي أماً فقدت ابنها، ولا يخفف ألم أسرة تنتظر خبراً عن مفقود، ولا يبني الثقة بين الدولة ومواطنيها، وفي بعض اللحظات، تكون الكلمة الصادقة مسؤولية لا تقل أهمية عن أي قرار سياسي أو أمني.





