حين يصبح المواطن الشريف متهماً. ويصبح الفاسد وطنياً مزيفاً و تصبح خطب الملك في مهب الريح
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

في المغرب، أصبح من يطالب بحقه في العيش الكريم، أو يرفض الفساد والنهب والحكرة، يُتهم بسرعة بأنه معارض للدولة أو للملكية، بينما يُقدَّم الفاسدون والانتهازيون على أنهم “وطنيون” و”حماة الاستقرار”. إنها أكبر عملية نصب سياسي وأخلاقي عرفها المغرب الحديث.
ليس كل من صرخ من الجوع خائناً، وليس كل من فضح الفساد عميلاً، وليس كل من طالب بالكرامة عدواً للوطن.
الخيانة الحقيقية هي ما تفعله الطبقة السياسية المتعفنة التي أدت القسم أمام الملك والوطن، ثم حولت الدولة إلى بقرة حلوب، والشعب إلى عبيد في ضيعات الفقر والبطالة واليأس.
أي وطنية يتحدثون عنها وهم ينهبون المال العام بلا خوف ولا ضمير؟
أي وطنية عند مسؤول يسرق الملايير بينما الشباب يغرق في البحر هرباً من الجحيم؟
أي وطنية عند سياسي يتاجر في الانتخابات والتزكيات ويشتري الذمم ثم يظهر في التلفزيون ليعطي دروساً في الأخلاق والوطنية؟
لقد تحولت السياسة عند كثير من الأحزاب إلى دعارة سياسية مكتملة الأركان؛ ولاءات تباع وتشترى، ومواقف تتغير حسب حجم الامتيازات، وقيادات فقدت كل ذرة كرامة وأصبحت مستعدة للانبطاح مقابل المناصب والريع والصفقات والحماية.
هناك من باع شرفه السياسي مقابل سيارة فارهة.
وهناك من باع ضميره مقابل مقعد في البرلمان.
وهناك من باع الوطن كله مقابل حفنة امتيازات وولاء لأباطرة المال والاحتكار.
الخطير أن هذه الطبقة الفاسدة لا تكتفي بالسرقة، بل تريد أيضاً إسكات الشعب. تريد من المواطن أن يجوع بصمت، ويُهان بصمت، ويموت بصمت، حتى لا يزعج راحتهم داخل قصور الامتيازات الفاخرة.
هم يخافون من المواطن الحر أكثر مما يخافون من الفقر والفساد، لأن المواطن الحر يفضحهم.
ولهذا يحاولون خلط الأوراق، فيجعلون المنتقد خائناً، والمحتج فوضوياً، والصحافي الحر عدواً، بينما يقدمون اللصوص الكبار على أنهم رجال دولة.
الحقيقة التي يعرفها المغاربة جميعاً هي أن أكبر خطر على المغرب ليس الشعب، بل لوبيات الفساد السياسي والاقتصادي التي التهمت الأخضر واليابس.
هذه اللوبيات هي التي دمرت الثقة في الأحزاب، وأهانت المؤسسات، وخنقت الأمل، ودفعت الشباب إلى الهجرة والمخدرات والانتحار واليأس.
لقد أصبح المغرب عند بعض المسؤولين مجرد مشروع للاغتناء السريع.
المناصب توزع بالمصالح، والصفقات تمنح للمقربين، والانتخابات تُفسد بالمال، والفقراء يُستعملون كوقود موسمي في الحملات الانتخابية، ثم يُرمى بهم إلى مزابل النسيان بعد انتهاء التصويت.
أما المواطن الذي يخرج ليقول أريد حقي، فهو أشرف من ألف مسؤول فاسد.
وأكثر وطنية من كل المنافقين الذين يختبئون خلف الشعارات الرسمية بينما يسرقون الوطن من الداخل.
إن حب الملكية لا يعني الصمت عن الفساد، بل إن أخطر ما يهدد الملكية والدولة هو هذا المحيط الانتهازي المتوحش الذي يسيء للمؤسسات ويستغل النفوذ لتجويع الشعب ونهب الثروات.
فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تسقط بسبب الشعوب، بل بسبب الفساد حين يتحول إلى وحش يلتهم كل شيء.
لقد وصل الاحتقان إلى مستويات خطيرة، والمغاربة لم يعودوا يثقون في الوجوه نفسها التي أعادت إنتاج الفشل لعقود.
شعب كامل يرى الثروة تُنهب أمامه، والأسعار تشتعل، والبطالة تتوسع، والخدمات تنهار، ثم يطلبون منه أن يصفق للفاسدين باسم الوطنية والاستقرار.
الوطن ليس ضيعة خاصة لأحد.
والوطنية ليست بطاقة حماية للفاسدين.
ومن يسرق الشعب ويحتقره ويخدع الملك والدولة، هو الخائن الحقيقي مهما لبس من بدلات رسمية ورفع من شعارات.
سيأتي يوم يُحاسب فيه كل من أهان هذا الشعب، لأن الظلم لا يدوم، ولأن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها حين تنفجر تسقط معها كل الأقنعة.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





