24 ساعةأحزابأخبار وطنيةالواجهةعالم السياسة

خطبة جمعة: الطغيان والفساد ومصير المتجبرين… إن ربك لبالمرصاد

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والطغيان، وجعل عاقبة الفساد الهلاك والخسران، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العدنان، القائل: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة».

أما بعد عباد الله،

يقول الله تعالى في سورة الفجر:

﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ۝ ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ۝ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ۝ وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ۝ ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ۝ فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ۝ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ۝ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ﴾.

عباد الله،

هذه الآيات ليست مجرد حكاية عن أمم غابرة، بل هي قانون إلهي خالد:

أن كل قوة تتجبر، وكل سلطة تظلم، وكل طبقة تستعبد الشعوب وتجوع الفقراء وتنهب خيرات الأوطان، فإن مصيرها السقوط مهما طال الزمن.

عاد امتلكت القوة، وثمود امتلكت الهندسة والعمران، وفرعون امتلك الجيوش والمال والإعلام والسحرة، لكنهم جميعاً سقطوا لأنهم طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد.

واليوم، ونحن نعيش أزمات اجتماعية خانقة، وارتفاعاً مهولاً في الأسعار، وتفقيراً ممنهجاً للمواطن المغربي، يحق لكل مسلم غيور على وطنه أن يتساءل:

من المسؤول عن هذا الخراب الاجتماعي والأخلاقي والسياسي؟

كيف يعقل أن بلداً غنياً بثرواته البحرية والفلاحية والمعدنية يعيش فيه ملايين الفقراء والمهمشين؟

كيف يعقل أن الشباب يغرق في البحر هرباً من اليأس؟

كيف يعقل أن تتحول السياسة من خدمة للشعب إلى تجارة ومضاربة واحتكار؟

عباد الله،

لقد أصبحت فئات من الطبقة السياسية والنقابية والإعلامية جزءاً من منظومة تخدم مصالح الليبراليين المتوحشين ولوبيات المال والاحتكار، بدل الدفاع عن الشعب وحقوقه.

أصبح بعض السياسيين يتحدثون باسم الفقراء نهاراً، ثم يجلسون ليلاً على موائد أصحاب الثروة والامتيازات.

وأصبح بعض النقابيين يرفعون الشعارات أمام الكاميرات، ثم يوقعون اتفاقات تجهز على القدرة الشرائية للعمال والموظفين.

وأصبح بعض الإعلام، إلا من رحم الله، يلمّع صورة الفساد، ويخيف الناس من قول الحقيقة، ويصوّر الجائع على أنه عدو للوطن، بينما الفاسد يقدَّم كبطل ومنقذ.

إن أخطر ما يصيب الأمم ليس الفقر وحده، بل تطبيع الناس مع الظلم، وخوفهم من مواجهة الفساد، وصمت النخب عن نهب المال العام وتجويع الشعوب.

عباد الله،

إن الله سبحانه لم يهلك عاداً وثمود وفرعون بسبب قوتهم، بل بسبب ظلمهم واستكبارهم وفسادهم.

فالفساد ليس فقط السرقة، بل أيضاً:

احتكار الثروات،

التلاعب بالأسعار،

المتاجرة بمعاناة الناس،

شراء الذمم،

بيع الانتخابات،

تحويل الأحزاب إلى شركات انتخابية،

وتحويل الإعلام إلى أداة للتضليل بدل التوعية.

وإن من أخطر ما نعيشه اليوم أن بعض المسؤولين يتعاملون مع الوطن كغنيمة، ومع الشعب كعبء ثقيل، بينما الحقيقة أن السلطة أمانة وليست امتيازاً، وخدمة وليست تسلطاً.

أيها المؤمنون،

الإسلام لا يدعو إلى الفوضى ولا إلى الكراهية، ولكنه يأمر بالعدل، وبقول كلمة الحق، وبالدفاع عن المظلومين، ورفض الطغيان والاحتكار والفساد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أفضل الجهاد كلمة حق عند رئيس حكومة جائر».

فالسكوت عن الظلم مشاركة فيه، والتطبيل للفاسدين خيانة للأمة، وبيع ضمير الإنسان من أجل منصب أو مال أو امتياز سقوط أخلاقي قبل أن يكون سقوطاً سياسياً.

عباد الله،

إن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها حين تفقد الأمل والكرامة يصبح الوطن كله في خطر.

ولهذا وجب على العقلاء والحكماء والعلماء والمثقفين والإعلاميين الشرفاء أن يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية في الدفاع عن العدالة الاجتماعية، وعن كرامة المواطن، وعن حق الشعب في العيش الكريم.

كما يجب على كل مسؤول أن يتذكر أن المناصب زائلة، وأن الله لا يظلم أحداً، وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ﴾

أي أن الله يراقب الظالم مهما امتلك من نفوذ وإعلام ومال وسلطة، وأن الحساب آتٍ لا محالة.

اللهم احفظ المغرب وأهله من الفتن والفساد والطغيان،

اللهم ارزق هذا الشعب الكرامة والعدل والرحمة،

اللهم ولِّ أمورنا خيارنا، ولا تولِّ أمورنا شرارنا،

اللهم من أراد بهذا الوطن خيراً فوفقه لكل خير، ومن أراد به فساداً أو ظلماً أو نهباً فاجعل كيده في نحره.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى