ذاء العَطَبِ قديم

بقلم: رشيد بوفوس
ما يحدث اليوم في المغرب ليس جديدًا. هو صدى بعيدٌ لصوتٍ قديمٍ دوّنه السلطان مولاي حفيظ في كتابه الشهير «داء العطب قديم»، الذي كتبه بعد أن تنازل عن العرش سنة 1912، عقب توقيع معاهدة الحماية. في ذلك النصّ الاستثنائي، لا يتحدث السلطان عن عدوٍّ خارجيٍّ ولا عن مؤامرةٍ استعماريةٍ وحسب، بل عن عطبٍ داخليٍّ متجذّر في بنية الدولة والمجتمع، في النُخَب وفي روح الحكم، سبق الاستعمار ومهّد له الطريق. فالعطب، كما فهمه السلطان، لم يكن مرضًا أصابه فجأة، بل داءً قديمًا تسلّل ببطءٍ إلى مفاصل الدولة حتى صارت عاجزةً عن مقاومة الخارج لأنها تآكلت من الداخل.
كتب مولاي حفيظ بمرارة: «ما أضاع المغرب إلا الفساد في الإدارة، والتخاذل في المسؤولية، وانعدام الغيرة على الوطن.» لم يكن الرجل يُبرّر الهزيمة بضعف الجيوش الفرنسية أو بتفوّق أسلحتها، بل بضعف إرادة الإصلاح عند المغاربة أنفسهم. في زمنٍ كانت فيه أوروبا تُعيد بناء دولها على أسسٍ حديثةٍ من التعليم والإدارة والعلم، ظلّت النخب المغربية متشبثةً بالمظاهر، عاجزةً عن إدراك عمق التحوّل الذي كان يغيّر العالم. المدارس نادرة، الجباية فاسدة، السلطة المركزية محاصرة بالعصبيات، والجهات تعيش على هامش التاريخ. لذلك كان الاستعمار، في نظر مولاي حفيظ، نتيجةً وليست سببًا. جاء لأن الأرض كانت مهيأةً له، لأن الفساد والعجز والوهن قد نخروا الجسم قبل أن تهجم عليه الجيوش الأجنبية.
ومن يقرأ اليوم المشهد المغربي، بعد أكثر من قرنٍ على تلك الكلمات، يشعر أن صدى تحذيره ما زال يتردّد. فـ“داء العطب” الذي تحدّث عنه السلطان لم يُشفَ تمامًا، بل غيّر وجهه فقط. استُبدل الفساد الإداري القديم ببيروقراطيةٍ متكلّسةٍ لا تقلّ شللاً، وحلّ محلّ التخاذل القديم نوعٌ من اللامسؤولية الحديثة: مشاريع كبرى بلا أثرٍ اجتماعيّ، خطط تنمية بلا عدالةٍ مجالية، وخطاب رسميّ عن “النموذج التنموي الجديد” دون قدرةٍ على جعل المواطن يلمس أثره في حياته اليومية.
التاريخ المغربي سلسلةٌ من الدورات التي يتكرّر فيها المشهد نفسه: نخبةٌ حاكمةٌ تظنّ أن الاستقرار يكفي بديلاً عن العدالة، ومجتمعٌ يغلي تحت السطح حتى ينفجر. من انتفاضات الستينيات والسبعينيات إلى حراك 2011، ثم إلى احتجاجات الريف وجرادة، وصولاً إلى موجة السخط الرقميّ الأخيرة، ظلّ “العطب” نفسه يتسلّل بأشكالٍ مختلفة: غياب الإنصات، سوء توزيع الثروة، وضعف الثقة بين الدولة والمواطن.
الاستعمار الفرنسي حين دخل المغرب، لم يدخل أرضًا موحّدةً متماسكة، بل ممالك صغيرة داخل مملكةٍ كبرى: قوى تقليديةٌ في الداخل، زوايا متنازعة، قبائل مستقلة عن المخزن، ونخبٌ حضريةٌ فقدت تأثيرها. ضعف الجيش، تفكّك الاقتصاد، انكماش التعليم، وغياب رؤيةٍ إصلاحيةٍ شاملة جعلت البلاد فريسةً سهلة. واليوم، وإن غادر المستعمر، فإنّ آثاره لا تزال قائمة حين تتجلى التبعية الاقتصادية، واحتكار القرار في المركز، وتفاوت الفرص بين الجهات، واستمرار الاعتماد على المبادرات الفوقية بدل إشراك المجتمع في رسم مصيره.
الجنوب الشرقي والشرق والشمال ما زالوا ينتظرون أن تتحول وعود الجهوية المتقدمة إلى واقع. المدن الكبرى كطنجة والدار البيضاء تُشعّ بالبنايات الزجاجية، لكن القرى في الأطلس أو درعة أو فكيك ما زالت تعيش بنصف قرنٍ من التأخر. هذا الانقسام الجغرافي يعيد إنتاج الانقسام الاجتماعي نفسه: طبقةٌ غنيةٌ تحمي مصالحها، طبقةٌ وسطى متآكلة، وأغلبيةٌ فقيرةٌ تناضل من أجل الكرامة.
ولأن السياسة لم تستطع أن تبني جسور الثقة، فإن الشارع صار المساحة الوحيدة الممكنة للتعبير. الأحزاب فقدت مصداقيتها، الخطاب الرسمي فقد بريقه، والإعلام العمومي فقد دوره. الناس لم يعودوا يطلبون المستحيل، بل فقط أن يُصغى إليهم، أن يشعروا أن الدولة تخصّهم هم أيضًا.
إنّ ما كتبه مولاي حفيظ لم يكن مجرد شهادة ملكٍ مهزوم، بل تشخيصٌ عميقٌ لأزمةٍ تاريخيةٍ بنيوية لا تزال تلازم المغرب: أزمة النخبة، وأزمة التحديث، وأزمة الثقة. “داء العطب” هو استمرارنا في معالجة الأعراض لا الجذور، في بناء الطرق والموانئ دون بناء الإنسان القادر على استخدامها، في إصلاح الدساتير دون إصلاح العقليات.
وإذا كان الاستعمار قد تغلغل في جسد المغرب لأن المناعة الداخلية كانت ضعيفة، فإن الخطر اليوم ليس في عدوٍّ خارجيٍّ ينتظر الفرصة، بل في استعمارٍ داخليٍّ صامت: الفساد، اللامبالاة، الواسطة، الزبونية، والجهل الذي يُعيد إنتاج نفسه في مدارسٍ عاجزةٍ ومستشفياتٍ مرهقة.
ذاء العطب قديم، نعم، لكنه قابلٌ للعلاج. شرط الشفاء أن نواجه أنفسنا كما واجه مولاي حفيظ شعبه وذاته بشجاعةٍ وصدقٍ مؤلم. أن نعترف بأنّ التحديث ليس شعارًا بل ثقافة، وأنّ الإصلاح ليس مراسيم بل سلوك. فحين تُبنى دولةٌ على المعرفة، وتُدار بالكفاءة لا بالولاء، وتُصغي إلى هوامشها قبل أن تُزيّن واجهاتها، حينها فقط يمكن أن نقول إننا تجاوزنا داء العطب، وأن المغرب لم يعد مريضًا بتاريخه، بل متصالحًا معه.





