الواجهة

رشيد غلام وهذه البلاد القاسية

بقلم: محمد رضوان

لم يكن يريد أكثر من أن يغني، لكن يبدو أن هذا في بلادنا كثير.

كانت فكرته أن يقدم برنامجا عن الغناء العربي في مئة عام، من بداية الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى بداية الربع الأخير من القرن العشرين، أن يقدم مشروعات المطربين والملحنين غناء وتحليلا ونقدا، بأصوات معاصرة، كان يراهن أن هذه الألوان “الأصيلة” كما يحب أن يصفها، ما زالت -وستظل- حاضرة، وأن لها جمهورا يمكن أن يتسع لو بدأنا باستعادتها، ثم تجديدها، بدلا من تبديدها لصالح ألوان أخرى لا تحمل أصواتنا، ووافق التلفزيون العربي وتحمس للفكرة ولرشيد، وبدأ العمل.

كان رشيد يحب أن يُصور في القاهرة، ففيها -وفق رؤيته- أفضل الموسيقيين وأفضل الظروف الإنتاجية، لكن مصر الرسمية في ذلك الوقت (٢٠١٩) منعته من الدخول، وذلك لدعمه المعلن لثورات الربيع العربي، ومنها ثورة يناير، فاختار رشيد أن يصور في اسطنبول، وذهب بالفعل، وسبقه فريق العمل، لكن تركيا الرسمية أيضا منعته من الدخول، لأنه معارض مغربي، وثمة تنسيق بين أنقرة والرباط يحول دون دخوله! في بلادنا، تختلف الأنظمة في كل شيء… إلا الخوف من صوت لا تملكه.

ذهبنا إلى بيروت، وصورنا الموسم الأول من برنامج “مقامات”، ثلاثون حلقة من التحليق في سماوات الغناء العربي حين كان يعرف نفسه، أنجزناهم في أحد عشر يوما، كان رشيد يصور في اليوم الواحد حلقتين وثلاثة، ويغني مع الضيوف في الحلقات جميعا، ويغني في البروفات، وقبل التصوير وأثناءه وبعده، ويغني في الشارع، وفي المقهى، وفي المواصلات، ولا يكف عن الغناء والنقاش والتحليل والمقارنات، سمعه سائق تاكسي لبناني عجوز وهو يدندن في الكنبة الخلفية بأغنية لفريد الأطرش، فأنصت ثم قال لي:

والله صاحبك هذا أحسن من فريد، لماذا لا يغني؟ وضحكنا…

تقول له “أصالة” في برنامجها “صولا” أن لقاءها به حلم قد تحقق، ورشيد بمعايير السوق ليس نجما مثلها، لكن أصالة المطربة (قبل النجمة) تعرف ما الغناء، ومن ثم تعرف من رشيد، فتقر له ببعض حقه، وهو المطرب الفذ، ذو الصوت الاستثنائي “القدير” والخيال “المرعب”، كما وصفه يوما سليم سحاب.

ذهب رشيد إلى القاهرة في بداية مشواره، وسمعته رتيبة الحفني وهو يغني لأم كلثوم، وتحمست له، وقدمته للغناء على مسرح الأوبرا المصرية، ثم سمعه أحد أبرز المنتجين في مصر والوطن العربي وقدم له عرضا كفيلا بأن يحمله على أجنحة الذيوع والانتشار في سنوات قليلة، لكنه مشروطا بألا يتدخل رشيد في اختيار الكلمات والألحان، باختصار: “سيب نفسك” وسوف نصنع منك نجما، ورفض رشيد، رفض أن يغني وهو ساكت، فهو يريد النجاح والشهرة والثراء، لكن من دون أن يكون ذلك كله ثمنا لحريته، لم يرفض رشيد الطريق، لكنه رفض الطريقة، رفض أن يكون عبدا مشهورا، وفضل أن يكون مغمورا حرا، يغني ما يريد وكما يريد، لا كما يريد منتج ذو خيال فقير يتصور خطأ أن “الجمهور عايز كده”.

يتغير صوت رشيد حين يتحدث عن بلده المغرب، عن مطربيه، وملحنيه، وتواريخه، وثقافته، وحتى مطبخه، وحين أُخبره بذلك ينكره، ويقول إنه بخير، لكنه ليس بخير. أصيب رشيد بالسكتة الدماغية أثناء حرب إبادة غزة، وهو الآن على سرير التعافي في العاصمة البريطانية لندن، البلد الوحيد الذي فتح له أبوابه، بعد أن أغلقت بلادنا القاسية أبوابها أمام صوته، وهو الذي لم يطلب سوى أن يغني حرا، هذه فكرته ومهنته وتهمته، بلاد يهددها الغناء، أي بلاد تلك، وأي أنظمة، وأي أجهزة، وأي سلطات؟

ليست المشكلة أن بلادنا لا تُنصف الموهوبين، بل إنها ترتعد منهم: من الصوت إذا لم يكن مُدرَّبا على الصمت، ومن الفن إذا لم يكن مُجنَّدا لدى الرداءة، ومن الإنسان إذا أصرّ أن يكون نفسه. ولهذا تُغلق الأبواب، وتُضيَّق المنافي، وتُصادَر الأصوات، بالسجن، وبالإهمال وبالتجاهل، وبالحصار البطيء، ومع ذلك يجد الصوت طريقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى