سعيد بيران الثائر ضد أتاتورك.

في 29 يونيو/حزيران 1925، أُعــد م الشيخ سعيد بيران في مدينة ديار بكر مع عدد من قادة الثورة التي قادها ضد حكومة مصطفى كمال أتاتورك، وذلك بعد محاكمة سريعة وصورية أمام محكمة ذات طابع عسكري (محكمة الاستقلال).
مثّل هذا الحديث إحدى أبرز محطات الصراعات والفوضى التي أعقبت سقوط الخلافة العثمانية، بين المشروع الإسلامي الذي كان يرى في الخلافة والشريعة أساسًا لوحدة الأمة، وبين المشروع الكمالي الذي قام على العلمنة الشاملة والتغريب على أساس قومي.
والشيخ سعيد بيران (1865–1925) هو عالم دين وفقيه شافعي وزعيم قبلي كردي بارز، وُلد في قضاء “بالو” بولاية معمورة العزيز (تركيا حالياً) وينحدر من عائلة عريقة في مشيخة “الطريقة النقشبندية” الصوفية. تلقى تعليمه الديني في المدارس الإسلامية وتعمق في العلوم الشرعية واللغة العربية.
وقبل قيادته للثورة الشهيرة عام 1925، كان الشيخ سعيد يحظى بنفوذ ديني واجتماعي وسياسي واسع جداً في شرق وجنوب شرق الأناضول، وأصبح مرجعاً دينياً ومصلحاً يحتكم إليه لفض النزاعات وتوجيه المجتمع، مكرساً حياته لنشر التعليم الديني والإرشاد الصوفي.
جاءت ثورة الشيخ سعيد بيران بعد أشهر قليلة من إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924، وفي ظل سلسلة من الإجراءات العنيفة التي اتخذها النظام الجديد ضد الإسلام، شملت إغلاق المدارس الدينية والمحاكم الشرعية والزوايا والتكايا، واستبدال التشريعات الإسلامية بقوانين غربية وضعية، وإبعاد تام الدين في الحياة العامة، بالإضافة لاضطهاد الأقليات غير التركية خاصة الأكراد.
وقد رأى الشيخ سعيد بيران، وأنصاره أن هذه السياسات ليست إصلاحات إدارية، بل مشروع علماني لتغريب المجتمع وقطع صلته بهويته الإسلامية، فكانت الثورة – في نظر أبنائها – دفاعًا عن الدين والشريعة ورفضًا لسياسات العلمنة القسرية.
ورغم أن معظم المشاركين في الثورة كانوا من الأكراد بحكم طبيعة المنطقة التي اندلعت فيها، فإنها ضمت أيضًا مقاتلين من الشركس والعرب والأتراك وغيرهم، ورفعت شعارات دينية تدعو إلى نصرة الإسلام وإحياء الخلافة، أكثر من رفعها شعارات قومية أو انفصالية.
ولهذا يرى عدد من الباحثين أن البعد الإسلامي كان المحرك الرئيس للثورة، وليس كما يحاول القوميين والعلمانيين الكرد حالياً تصويرها على أنها ثورة قومية كردية خالصة. خاصة وأن الدعاية العلمانية الكمالية عملت على تصوير الثورة بوصفها تمردًا مسلح قومي يهدف إلى الانفصال عن تركيا لتبرير سحقها بمنتهى القسوة.
واجهت الحكومة الكمالية الثورة بقوة عسكرية هائلة، واستعادت فرض السيطرة على مناطقها خلال أسابيع قليلة، ثم اعتقلت الشيخ سعيد وعددًا من الثوار، وأصدرت بحقهم أحكامًا بالإعدام.
وتُنسب للشيخ قبيل إعدامه كلمات عبّر فيها عن استعداده للتضحية في سبيل الإسلام والمسلمين أبرزها حسب أشهر الروايات:
“لا أبالي بصلبي على جذع الردى، ما دام مصرعي في سبيل الله والدين.”
ونتج عن تلك الثورة موجات من النزوح والفرار بين عدد من سكان المنطقة، وبالأخص الأكراد، حيث لجأ بعضهم إلى المناطق المجاورة وخارج البلاد، ولا سيما إلى سوريا، بعد حملة القمع التي أعقبت إخماد الثورة، هربًا من الملاحقات والاضطرابات التي رافقت تلك المرحلة.
ولا تزال ذكرى إعدام الشيخ سعيد بيران حاضرة حتى اليوم في وجدان العديد من المسلمين باعتبارها محطة تاريخية مفصلية. في واحدة من أكثر أحداث التاريخ المعاصر إثارةً للجدل، لما حملته من أبعاد دينية وسياسية واجتماعية تركت آثارًا امتدت لعقود.





