عالم السياسة

عبد الإله ابن كيران: في مواجهة رئيس الحكومة بين السياسة والتجارة

 

في عالم السياسة، حيث تختلط المبادئ بالمصالح، وحيث تتلاطم أمواج الأيديولوجيات والطموحات، يبرز الجدل كرافد لا مفر منه في تشكيل المشهد. وفي هذا السياق، وجّه عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، سهام نقده اللاذعة صوب رئيس الحكومة عزيز أخنوش، متّهماً إياه بمواصلة أنشطته التجارية رغم توليه أعلى منصب تنفيذي في البلاد، في تناقض صارخ مع القوانين التي تفرض الحياد والشفافية على من يتحمل مسؤولية قيادة الدولة.

 

في لقاء مفتوح مع طلبة HEM بالرباط بتاريخ 19 فبراير 2025، ألقى ابن كيران خطاباً مشحوناً بالعاطفة والاتهام، مؤكداً أن القانون المغربي واضح في منع رئيس الحكومة من ممارسة أي نشاط تجاري أثناء توليه المنصب. لكنه، وكأنما يضع النقاط على الحروف، أشار إلى أن أخنوش لا يزال مرتبطاً، بشكل أو بآخر، بأنشطته الاقتصادية، في تحدٍّ صارخ للقانون وللمبادئ التي يفترض أن تميز رجل الدولة عن رجل الأعمال.

 

“كيف لشخص يقود أمة أن يسمح لنفسه بأن يكون طرفاً في معاملات تجارية؟” تساءل ابن كيران بلهجة حادة، مشيراً إلى أن هذا التصرف لا يضر فقط بصورته كرئيس حكومة، بل يهزّ ثقة المواطنين في المؤسسات الديمقراطية، ويثير ريبة عميقة حول النزاهة التي يجب أن يتحلى بها من يتقلد هذا المنصب.

 

لم يقتصر نقد ابن كيران على مجرد تلميحات أو اتهامات مبطنة، بل استند إلى تصريحات أدلى بها أخنوش في البرلمان، عندما تحدث عن مشروع تحلية مياه البحر في الدار البيضاء. بالنسبة إلى ابن كيران، لم تكن هذه التصريحات سوى دليل إضافي يعمّق الشكوك حول استمرار أخنوش في ممارسة أنشطته التجارية. “كيف يمكن لرئيس حكومة أن يتورط بشكل مباشر أو غير مباشر في مشاريع تجارية وهو في منصب يتطلب الحياد التام؟” تساءل ابن كيران، مشيراً إلى أن مجرد هذه التصريحات كانت كافية، من وجهة نظره، لإسقاط الحكومة أو دفع رئيسها إلى تقديم استقالته.

 

وأضاف: “ما حدث في البرلمان ليس مجرد زلة لسان، بل هو اعتراف ضمني يضع الحكومة بأكملها في موقف لا تحسد عليه، ويجعلنا نتساءل: هل نحن أمام حكومة تخدم الشعب أم أمام مجموعة مصالح شخصية تتستر بلباس السياسة؟”

 

في معرض حديثه، لم يغفل ابن كيران الإشارة إلى ما وصفه بـ”شهية أخنوش الاقتصادية التي ازدادت شراهتها” منذ توليه رئاسة الحكومة. وأبرز مثال على ذلك، حسب قوله، هو صفقة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، التي بلغت قيمتها 244 مليار سنتيم لصالح المكتب الوطني للماء والكهرباء. هذا المشروع أثار العديد من التساؤلات حول تضارب المصالح، حيث اتهم ابن كيران رئيس الحكومة بـ”استغلال منصبه لتحقيق مكاسب اقتصادية”، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قيادة تضع أولوياتها في خدمة المواطنين، لا في توسيع الاستثمارات الشخصية.

 

“من غير المقبول أن يتحول منصب رئيس الحكومة إلى جسر يربط بين السياسة والاقتصاد، حيث تختلط المصالح العامة بالمصالح الخاصة، وحيث تُدار الدولة بمنطق الصفقات التجارية بدلاً من منطق الإصلاح والتنمية”، صرّح ابن كيران بلهجة صارمة.

في خضم الانتقادات، أثار ابن كيران قضية أخرى لم تقلّ إثارة: دعم مالي قُدِّم من لجنة الاستثمار لصالح رئيس الحكومة. وأشار إلى أن اللجنة أصدرت بياناً رسمياً يؤكد حصول أخنوش على هذا الدعم، لكن الأخير لم يخرج ليقدم أي توضيحات أو ينفي هذه المزاعم. “السكوت في مثل هذه الحالات ليس حكمة، بل إدانة ضمنية”، قال ابن كيران، مؤكداً أن غياب الشفافية في مثل هذه المواقف يضرّ بمصداقية الحكومة بأكملها.

رغم خروجه عن رئاسة الحكومة، أكد ابن كيران أن حزب العدالة والتنمية لن يقف مكتوف الأيدي أمام ما وصفه بـ”التلاعب بمصالح الشعب”. وأضاف أن الحزب سيواصل متابعة هذا الملف وغيره من القضايا التي تتعلق بتضارب المصالح أو استغلال النفوذ، مشدداً على أن المسؤولية السياسية والأخلاقية تفرض على الأحزاب أن تكون عيناً ساهرة على نزاهة المؤسسات.

“قد نكون في المعارضة اليوم، لكن هذا لا يعفينا من واجبنا تجاه المواطنين وتجاه الوطن. نحن هنا لنقول الحقيقة، ولو كانت مرة، ولنقف في وجه من يحاول استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية”، هكذا ختم ابن كيران خطابه، تاركاً الباب مفتوحاً أمام المزيد من التساؤلات حول مستقبل الحكومة ومصير رئيسها.

إن الانتقادات التي وجهها ابن كيران لأخنوش ليست مجرد خلاف سياسي عابر، بل هي جزء من صراع أعمق حول طبيعة الحكم في المغرب. في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، يصبح السؤال الأهم: هل يمكن لرئيس حكومة يجمع بين السياسة والتجارة أن يقود البلاد نحو التنمية والإصلاح؟ أم أن هذا الجمع سيظل عائقاً أمام تحقيق الشفافية والمساواة في الفرص؟

في النهاية، لا يمكن إنكار أن الجدل الذي أثاره ابن كيران يلقي بظلاله على المشهد السياسي المغربي. وبينما تتوالى الاتهامات والتصريحات، يبقى المواطن المغربي في انتظار الإجابات، وفي ترقب دائم لما ستؤول إليه هذه القضية التي قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى