عثمان لگناوي… فنان يحمل ذاكرة المكان ويمنح «الوترة» صوتاً جديداً

في مدينة الجديدة، حيث تتقاطع الذاكرة الشعبية مع نبض الحياة اليومية، تظهر بين الفينة والأخرى مواهب اختارت أن تجعل من الفن وسيلة للتعبير، ومن الاستمرار عنواناً للإصرار. ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان عثمان لگناوي، الذي استطاع أن يبني لنفسه حضوراً خاصاً من خلال صوته وأدائه وآلته الموسيقية «الوترة».
عثمان ليس مجرد فنان يؤدي لوناً موسيقياً شعبياً، بل هو ابن بيئة ثقافية غنية، تربى على إيقاعاتها وألحانها، وحمل جزءاً من ذاكرتها معه في مساره الفني. ولذلك تبدو «الوترة» في تجربته أكثر من مجرد آلة؛ إنها رفيقة درب ووسيلة للتعبير عن إحساس فني متجذر في الهوية المحلية.
ما يميز تجربته هو الإصرار على الاستمرار رغم الصعوبات. فالفنان لا يعيش دائماً في ظروف مثالية، ولا يجد في كل مرحلة الأبواب مفتوحة أمامه، لكن القيمة الحقيقية تظهر عندما يقرر صاحب الموهبة ألا يجعل العراقيل سبباً للتوقف.
وقد يكون غياب الفنان عن بعض المنصات والمهرجانات مؤلماً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفنان ينتمي إلى المدينة ويحمل جزءاً من ثقافتها، غير أن عثمان اختار ألا يجعل من ذلك نهاية الطريق. ظل متمسكاً بفنه، مؤمناً بأن العلاقة الحقيقية بين الفنان وجمهوره لا تُبنى فقط فوق المنصات الرسمية، وإنما تُبنى قبل ذلك بالاستمرارية والصدق والإحساس.
إن قصة عثمان تفتح أيضاً نقاشاً أوسع حول علاقة المدينة بمواهبها المحلية. فالجديدة ليست فقيرة بالمواهب، وإنما ربما تحتاج إلى آليات أكثر وضوحاً لاكتشافها ومواكبتها ومنحها فرصاً عادلة للظهور.
فالمشهد الثقافي لا يمكن أن يُبنى فقط بالأسماء المعروفة، وإنما يحتاج كذلك إلى احتضان الأصوات التي تشق طريقها بصعوبة، وإلى منح الفنان المحلي فرصة حقيقية ليبرهن على إمكاناته.
والدعم لا يعني منح امتيازات مجانية، كما أن البرمجة الثقافية لا ينبغي أن تقوم على المجاملة؛ بل المطلوب هو الإنصاف والشفافية وتكافؤ الفرص، حتى يكون معيار الحضور هو الموهبة والاستحقاق والقدرة على تقديم قيمة مضافة للمشهد الثقافي.
وفي تجربة عثمان لگناوي، تبدو «الوترة» كأنها تختصر الكثير من الحكاية: آلة بسيطة في شكلها، لكنها قادرة على حمل ذاكرة كاملة عندما تجد من يعرف كيف يجعلها تتكلم.
فالفن الحقيقي لا يقاس دائماً بحجم المنصة، ولا بعدد الملصقات التي تحمل اسم الفنان، ولا بعدد المهرجانات التي شارك فيها. أحياناً يقاس بقدرته على البقاء، والتجدد، والوصول إلى الناس.
وعثمان، من خلال تجربته، يثبت أن الفنان يستطيع أن يصنع لنفسه طريقاً حتى عندما لا يكون الطريق معبداً.
قد تتغير المنصات، وقد تتبدل المناسبات، وقد تتأخر الفرص، لكن الفنان الذي يمتلك الموهبة والإصرار يظل قادراً على مواصلة الرحلة.
عثمان لگناوي… صوت من الجديدة، يحمل «الوترة» لا كآلة موسيقية فحسب، بل كجزء من ذاكرة المكان، وكجسر بين جيل يعرف أصوات الماضي وجمهور يبحث عن فن صادق في الحاضر.
فالمهرجانات قد تمنح الفنان فرصة للظهور، لكن الموهبة هي التي تمنحه قيمته.والمنصة قد تصنع لحظة،لكن الاستمرار هو الذي يصنع المسيرة.وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام المدينة: كم من موهبة أخرى تحتاج فقط إلى فرصة عادلة كي تُسمع؟





