24 ساعةأحزابأخبار وطنيةالواجهةعالم السياسة

عندما يتحول صوت المواطن إلى ضحية صندوق الاقتراع

العدّ التنازلي بدأ والناخب يستعد لفتح دفتر الحساب

كلما اقتربت الانتخابات، امتلأت الساحات والخطابات بكلمات تبدو وكأنها كُتبت خصيصاً لمعاناة المواطن. وعود بحماية القدرة الشرائية، وتعهدات بمحاربة الغلاء، وشعارات براقة عن العدالة الاجتماعية والكرامة والإنصاف. لكن التجارب المتراكمة علمت المغاربة أن ما يقال قبل الانتخابات شيء، وما يحدث بعدها شيء آخر تماماً.

المشهد يتكرر بصورة تكاد تكون مملة. سياسيون يطرقون أبواب المواطنين طالبين الثقة باسم الدفاع عن مصالحهم، ثم لا تمضي سوى أشهر قليلة حتى يجد المواطن نفسه أمام مواقف وقرارات تناقض كل ما سمعه خلال الحملة الانتخابية. فكيف يمكن لمن قدم نفسه حامياً للقدرة الشرائية أن يقف ضد إجراءات من شأنها الحد من ارتفاع أسعار المحروقات؟ وكيف لمن رفع شعار الانتصار للفئات الهشة أن يعارض مبادرات تستهدف مواجهة الاحتكار وحماية المستهلك؟

ليست القضية مجرد اختلاف في وجهات النظر أو اجتهادات سياسية مشروعة، بل تتعلق بمصداقية العمل السياسي نفسه. فحين تتحول الوعود إلى أوراق انتخابية تُستهلك ثم تُرمى بعد إعلان النتائج، يصبح الحديث عن الثقة بين المواطن والسياسي مجرد شعار فارغ لا يسنده واقع.

الأخطر أن بعض المنتخبين لا يكتفون بالتراجع عن التزاماتهم، بل يسعون إلى تغليف مواقفهم بخطابات تقنية معقدة ومبررات اقتصادية مطاطة، وكأن المواطن عاجز عن إدراك حقيقة ما يجري. غير أن الواقع أبسط من كل تلك التبريرات؛ فالمواطن لا يقيس نجاح السياسي بعدد الكلمات التي يتقن إلقاءها، بل بقدرته على الدفاع عن مصالح الناس عندما تحين لحظة القرار.

اليوم، ومع اقتراب موعد استحقاقات جديدة، لم يعد السؤال المطروح هو: من سيكسب الانتخابات؟ بل من يستحق ثقة الناخبين فعلاً؟ فالمغاربة لم يعودوا ينظرون إلى الحملات الانتخابية بالبراءة نفسها التي كانت سائدة في السابق. سنوات الغلاء والأزمات والوعود المؤجلة صنعت وعياً جديداً أكثر صرامة وأقل قابلية للخداع.

لقد بدأ العدّ التنازلي فعلاً، ليس فقط نحو صناديق الاقتراع، بل نحو لحظة سياسية حاسمة سيُعاد فيها فتح دفاتر الحساب. وهناك حقيقة قد يغفل عنها البعض: المواطن قد يصبر، لكنه لا ينسى. وحين تأتي ساعة الاختيار، يصبح الصندوق أقوى من كل الخطب، وأبلغ من كل الشعارات.

فمن يطلب أصوات الناس اليوم، عليه أن يتذكر أن الناخب الذي منحه الثقة بالأمس، قد يعود غداً ليسأله: ماذا فعلت بها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى