فكر.. أم أزمة تربية؟!

نعيش اليوم – كمجتمع – أزمة فكرية حقيقية، تتجلى في عدم قدرتنا على فهم بعضنا البعض، بالقدر الذي يجعلنا نؤمن بحق كل فرد في طرح رؤيته الخاصة انطلاقًا من مرجعيته الفكرية التي تشربها وتأثر بها. هذا الخلل في التفاهم أدى إلى موجة من الاتهامات المجانية، طالت أولئك المعنيين بالشأن الفكري تحديدًا، من قِبَل أشخاص لا همّ لهم سوى تصنيف الآخرين وإلصاق التهم، في محاولة لمصادرة حقهم المشروع في التعبير، رغم أن ذلك يشكل جوهر رسالتهم المجتمعية.
لسنا هنا في مقام الوصاية على من يخالفوننا الرأي، فهذا حقهم بلا شك، ولكن يجب رفض واستنكار ممارسات التصنيف الضيقة التي تجعل البعض يُلحق الكتّاب والمفكرين بتوجهات معينة لمجرد أنهم عبّروا عن رؤى مستقلة. إن اختلاف الرؤى هو سنة الحياة، وهو في جوهره دليل إيجابي على حرص الجميع على تقديم أفكار بناءة تسهم في خدمة المجتمع، وتسعى للنهوض بالأجيال القادمة. إن أمانة الكلمة تفرض علينا أن نصارح هذه الأجيال، لأن مستقبلها ومستقبل الوطن أمانة مقدسة لا ينبغي التفريط فيها تحت أي ظرف.
إن تجاوز أزمتنا الفكرية يقتضي منا إدراك أهمية تشكيل وعي حضاري قادر على مواجهة التحديات المعاصرة، بعيدًا عن التمسك بنظرية المؤامرة والانغلاق داخل دوائر ضيقة من الشك والعداء غير المبرر. لم يعد منطقيًا أن نعيش خارج الزمن، بل ينبغي علينا أن ندرك أننا جزء من عالم تنافسي، لا ينتصر فيه سوى أصحاب الفكر المتجدد، القادرين على الإنتاج والإقناع الواعي.
من المؤسف أن البعض لا يزال يستنزف جهده في الجدل العقيم، أو ما يُعرف بـ”السفسطة”، بدلًا من توجيه طاقاته نحو البحث والفهم والاستفادة. والأدهى من ذلك أن هناك من يقتني المطبوعات المختلفة ليس بهدف الاطلاع أو التثقيف، بل لمجرد محاكمة النوايا وإصدار الأحكام المسبقة، متناسين أن الخلاف في الرأي لا يعني بالضرورة الاختلاف في الغايات الكبرى، خاصة عندما يتعلق الأمر بثوابت المجتمع وقيمه الراسخة.
إن مسؤوليتنا كمجتمع متحضر تؤمن بحتمية التغيير والإصلاح، تحتم علينا أن نتفق على مبدأ أساسي وهو: لا وصاية لأحد على أحد. يجب أن نوسع آفاق الحوار، ونعترف بأن ساحة الرأي تتسع للجميع، شرط أن يكون الهدف هو المصلحة العامة. فالحوار الناضج والمبني على أسس موضوعية هو السبيل للخروج من أسر الأحكام الجاهزة والأفكار السطحية.
التعامل مع الاختلاف وفق منظور حضاري لا يعني إلغاء الآخر، بل على العكس، يعني احترامه وتقديره، والإيمان بحقه في تبني رأي مغاير. فالاختلاف قيمة حضارية متطورة، وما أحوجنا اليوم إلى استيعابها، بل والإيمان العميق بها، حتى نتمكن من بناء مجتمع أكثر وعيًا، وأقدر على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وانفتاح.





