24 ساعة

فلاش : فتيحة بلالي.. نغمة أصيلة في سماء الزجل المغربي ووفاءٌ خالد للإرث الدكالي

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الثقافية وتتداخل فيه الأصوات، يظل الزجل المغربي ذلك النبع العذب الذي يحفظ للذاكرة الجماعية وهجها، وللهوية الوطنية أصالتها وعمقها، وفي قلب هذه الدينامية الثقافية، تبرز ابنة عاصمة دكالة، الشاعرة والزجالة فتيحة بلالي، كواحدة من الشامخات اللواتي جعلن من الحرف الزجلي رسالة شرف، ومن التراث الشعبي جسراً يحمل أريج الدكالية إلى الآفاق الوطنية والدولية، حيث تتغذى تجربتها الإبداعية من التربة المعطاء لمدينة الجديدة ولإقليم دكالة الغني بموروثه الشفهي والجمالي، وبمداد إحساسها المرهف وبصيرةٍ تنفذ إلى جوهر الأشياء، استطاعت أن تصوغ من المحكي اليومي ومن روح العيطة والمأثور الشعبي لوحات زجلية تنبض بالحياة والإنسانية، فلم يكن زجلها مجرد نظمٍ للقوافي، بل مساراً نقدياً وجمالياً يستحضر المعاناة والأمل، ويبحث في كنه الذات والوطن، وهو مسار مستمر أثمر بصمةً لافتة في المشهد الأدبي المغربي، فرضت من خلاله المبدعة حضورها بفصاحة لسانها، وعمق طروحها، وقدرتها الفائقة على تحويل البسيط إلى نص محبوك يستقر في وجدان المتلقي.

ولم يكن هذا التميز وليد المصادفة، بل كان ثمرة مسار حافل بالبذل والعطاء توجته المحافل الوطنية والدولية بأرقى الاستحقاقات، فقد حازت المبدعة على جائزة الجمهور في المهرجان الدولي لصناع السلام بالرباط، في اعتراف صريح بالأبعاد الإنسانية والداعية للسلام التي تحفل بها نصوصها، كما تربعت على المركز الأول في المهرجان الدولي للشعر والزجل بالدار البيضاء، مؤكدةً علو كعب المدرسة الزجلية الدكالية وقدرتها على المنافسة في أعرق المنصات، ولم يقتصر هذا الإشعاع على جوائز التتويج، بل امتد عبر مشاركات وازنة وحضور فاعل في كبريات التظاهرات والمهرجانات الثقافية عبر ربوع المملكة وخارجها من مهرجانات بنسليمان وتساوت إلى المهرجان العربي للزجل، حيث كانت دائماً خير سفيرة للكلمة النازنة والحضور الوازن، لتثري بذلك المكتبة الأدبية المغربية بإصدارات فارقة أصبحت مراجع أساسية للدراسات والمهتمين بالزجل المعاصر، يأتي في مقدمتها ديوان «سربة الحروف» الذي عكست من خلاله قدرة استعارية فذة تجعل الحرف يركض كخيل التبوريدة في الميدان، وديوان «محاين الزمان» الذي قارب بألمعية فلسفة العيش والتقلبات الإنسانية، فضلاً عن مساهماتها القيمة في دواوين جماعية وأنطولوجيات زجلية توثق للحركة الأدبية بالمغرب من بينها «خزين الكلام» و«شمس الزجل»، لتسهم في حفظ هذا الإرث الشفهي وتدوينه للأجيال القادمة.

إن قيمة فتيحة بلالي لا تتجلى فقط في حدود النص المكتوب، بل تتعداها إلى الفعل الميداني والمبادرة الجمعوية؛ فهي ترأس جمعية جامعة مبدعات دكالة لإحياء التراث وتعد عضوة فاعلة بصالون الفكر والإبداع بالجديدة، ومن خلال هذه الواجهات الثقافية تعمل الشاعرة على تأطير الطاقات الشابة وتحفيز الإبداع النسائي وتنظيم المبادرات التي تعيد الاعتبار للفضاءات الثقافية وللتراث المحلي، واليوم تعكف الشاعرة على وضع اللمسات الأخيرة على ديوان زجلي جديد قيد الطبع والنشر مرتقب أن يشكل إضافة نوعية للمشهد الثقافي متضمناً رؤى ورسائل جديدة تكرس مسارها حارسةً لأصالة الحرف ومجددةً لروحه بروح العصر ومتطلباته، لتثبت بحق أنها حارسة الكلمة وأيقونة الزجل بالجديدة، وأن الفن الأصيل قادرٌ على الصمود والتحليق إذا ما أحيط بالصدق والإخلاص، فهي شاعرة تنهل من بئر التراث دون أن تسقط في النمطية، وترسم بألوان زجلها أفقاً يتسع للجمال والحوار والتجديد، يبقى الرهان اليوم على مواصلة الاحتفاء بهذه القامات الأدبية التي تجعل من دكالة ومن المغرب قاطبة منارة للإبداع الأصيل والوفاء الدائم للذاكرة والثقافة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى