مجرد رأي

في الصميم : حين يرفع الجميع شعار محاربة الفساد… فمن أين يأتي الفساد إذن؟

“لنحارب الفساد”… عبارة يرددها الجميع، ويصفق لها الجميع، من المرشح الذي يرفعها في حملاته الانتخابية، إلى المواطن الذي يسمعها فيتفاعل معها، وكأننا أمام معركة يتفق الكل على خوضها، وخصم مجهول لا أحد يعرف هويته!

لكن، وسط هذا الإجماع المثير للتساؤل، يبرز سؤال جوهري يستحق أن نتوقف عنده: إذا كان الجميع يريد محاربة الفساد، فمن هم الفاسدون؟

هل الفساد كائن غريب تسلل إلى مجتمعنا من خارج حدوده؟ أم أنه سلوك متجذر في بعض الممارسات اليومية التي اعتادها البعض، حتى أصبحت في نظرهم أمورا عادية لا تستدعي المساءلة أو المراجعة؟

المفارقة أن المرشح الانتخابي قد يقف أمام المواطنين، رافعا شعار محاربة الفساد، فيجد من يصفق له بحرارة، ومن يهتف خلفه بحماس، ومن يمنحه ثقته أملا في التغيير. لكن هل يتوقف هذا المواطن، ولو للحظة، ليسأل نفسه: هل أنا مستعد بدوري لمحاربة الفساد حين يكون قريبا مني؟ وهل سأظل متمسكا بهذا الشعار عندما تتعارض مبادئه مع مصلحتي الشخصية؟

إن محاربة الفساد لا تبدأ فقط من قبة البرلمان، ولا من مكاتب المسؤولين، ولا من البرامج الانتخابية التي تتنافس في تقديم الوعود. إنها تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية، من احترام القانون، ومن رفض الرشوة، ومن التخلي عن منطق المحسوبية، ومن الامتناع عن استغلال العلاقات الشخصية للحصول على امتيازات لا يستحقها المرء.

فكيف يمكن أن نطالب المسؤول بالنزاهة، بينما يقبل بعضنا أن يدفع رشوة لتسريع إجراء إداري؟ وكيف ننتقد المحسوبية، ثم نلجأ إليها عندما يتعلق الأمر بمصلحة شخصية؟ وكيف نطالب بتكافؤ الفرص، ثم نبحث عن الاستثناء لأنفسنا وأقاربنا وأصدقائنا؟

هنا تكمن المفارقة الحقيقية: قد يكون المواطن ضحية للفساد في موقف، ومشاركا في إعادة إنتاجه في موقف آخر.

غير أن القول إن الشعب هو الفاسدون بإطلاق، لمجرد أن الجميع يرفع شعار محاربة الفساد، هو تعميم لا يستقيم مع الواقع. فليس كل مواطن فاسدا، وليس كل من يرفع هذا الشعار بريئا بالضرورة. كما أن المسؤولية لا تتوزع بالتساوي بين المواطن والمنتخب والإدارة والمؤسسات؛ فلكل طرف موقعه وصلاحياته وواجباته، وتبقى مسؤولية من يملك سلطة القرار أكبر من حيث القدرة على إحداث التغيير.

لكن الحقيقة التي ينبغي ألا نهرب منها هي أن الفساد لا يعيش فقط بوجود من يمارسه، بل يجد فرصته أيضا حين يجد من يبرره، أو يتسامح معه، أو يستفيد منه، أو يصمت عنه رغم قدرته على التبليغ والمساءلة.

إن المرشح الذي يرفع شعار محاربة الفساد مطالب بأن يقدم نموذجا عمليا للنزاهة والشفافية، لا أن يكتفي بتحويل العبارة إلى وسيلة لاستمالة الناخبين. والمواطن بدوره مطالب بأن يجعل من صوته الانتخابي موقفا أخلاقيا، لا مجرد وسيلة للحصول على منفعة شخصية أو رد جميل أو خدمة عابرة.

فمحاربة الفساد ليست معركة انتخابية موسمية، تنتهي بانتهاء الحملات وإغلاق صناديق الاقتراع، بل هي ثقافة وسلوك وممارسة يومية، تبدأ من الفرد وتمتد إلى المؤسسات، وتحتاج إلى قوانين عادلة، ورقابة فعالة، ومحاسبة حقيقية، ومجتمع يرفض أن يكون شريكا في ما ينتقده.

ولعل السؤال الأعمق الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس فقط: من هم الفاسدون؟ بل أيضا: هل نريد فعلا محاربة الفساد، أم نريد فقط أن يتوقف الآخرون عن ممارسته عندما لا نكون نحن المستفيدين منه؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي للمجتمع، وذلك هو الفارق بين من يرفع شعار محاربة الفساد باعتباره مبدأ، ومن يرفعه باعتباره مجرد شعار.

فلا يكفي أن نصفق جميعا لمحاربة الفساد… بل علينا أن نمتلك الشجاعة لنبدأ بأنفسنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى