شباب

في الصميم : شبابنا اليوم بمدينة الجديدة… هل ما زالت المدينة تتسع لأحلامهم؟

 

شبابنا اليوم بمدينة الجديدة.. أين يجدون فضاءهم؟

“لنسعَ إلى حوار دائم بين الأجيال، لأننا، وللأسف، نجد مجموعة من اللقاءات الرسمية تتحدث عن الشباب في غياب رأيهم فيها”

لم يعد السؤال في مدينة الجديدة مجرد سؤال عن عدد الشباب أو عن البرامج الموجهة إليهم، وإنما أصبح السؤال الأعمق: أين يعيش شباب الجديدة؟ أين يلتقون؟ أين يمارسون الرياضة والثقافة والإبداع؟ وأين يجدون فضاءات آمنة للتعبير عن أنفسهم وصناعة مبادراتهم؟

فالشاب الذي يكبر في حي سكني مكتظ لا يحتاج فقط إلى منزل ومدرسة أو جامعة، بل يحتاج أيضاً إلى فضاء عام يحتضن طاقته، وملعب يمارس فيه الرياضة، ومكتبة يقرأ فيها، ومركز ثقافي يكتشف داخله موهبته، وفضاء يستطيع فيه أن يلتقي بأقرانه بعيداً عن الشارع والفراغ.

غير أن الواقع الحضري بمدينة الجديدة يفرض أسئلة حقيقية حول تقلص هذه الفضاءات. فكم من مساحة كانت بالأمس متنفساً لسكان الحي، وملعباً بسيطاً للشباب، ومكاناً للقاء أبناء المنطقة، قبل أن تختفي معالمها تحت ضغط التوسع العمراني والاستثمار العقاري؟

المدينة تتغير، وهذا أمر طبيعي، لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح بوضوح هو: هل يتغير العمران على حساب الإنسان؟

حين تتحول المساحات المفتوحة إلى بنايات، وتضيق الساحات، وتختفي الملاعب القريبة من الأحياء، يصبح الشاب أمام خيارات محدودة: مقهى، شارع، هاتف ذكي أو عزلة داخل البيت. وفي المقابل، تتحدث المؤسسات عن ضرورة تأطير الشباب، ومحاربة الفراغ، وتشجيع الرياضة والثقافة والإبداع.

لكن كيف يمكن أن نطلب من الشباب المشاركة في الحياة العامة إذا لم نوفر لهم الأماكن التي تسمح لهم بذلك؟

حتى المؤسسة التعليمية لم تعد بمنأى عن هذه الإشكالية. فقد كانت مدارس عديدة في الماضي تتوفر على مساحات تسمح بممارسة الرياضة والأنشطة الثقافية والترفيهية، وكانت المدرسة بالنسبة إلى التلميذ فضاءً للتعلم واللعب واكتشاف الذات.

أما اليوم، فإن بعض المؤسسات التعليمية تعاني من ضيق المجال، وبعضها لا تتوفر فيه الإمكانيات الكافية لتنظيم أنشطة منتظمة تستجيب لحاجات التلاميذ والشباب. ولا يتعلق الأمر فقط بالبناء المدرسي، وإنما بالفلسفة التي ينبغي أن تحكم تخطيط المدينة ومرافقها.

فالمؤسسة التعليمية ليست مجرد بناية تستوعب التلاميذ خلال ساعات الدراسة، بل هي جزء من النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة، والفضاء الذي يتعلم فيه الشاب معنى المشاركة والانتماء والعمل الجماعي.

والإشكال الأكبر أن الشباب غالباً ما يكونون موضوعاً للحديث أكثر مما يكونون طرفاً في الحوار. تنظم ندوات ولقاءات حول الشباب، وتوضع برامج لفائدتهم، وتناقش قضاياهم، لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك هو: ماذا يقول الشباب أنفسهم؟

ماذا يريد شباب الجديدة من مدينتهم؟ هل يريدون ملاعب للقرب؟ هل يحتاجون إلى مراكز ثقافية وفنية؟ هل يبحثون عن فضاءات للعمل المشترك والمبادرات الشبابية؟ هل يريدون مكتبات وقاعات للمطالعة؟ هل يحتاجون إلى فضاءات لتعلم الموسيقى والمسرح والفنون الرقمية؟ وهل يرغبون في المشاركة في النقاش المتعلق بتخطيط أحيائهم ومدينتهم؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من المكاتب فقط، وإنما من خلال الاستماع المباشر إلى الشباب وإشراكهم في النقاش العمومي حول حاضر المدينة ومستقبلها.

فالفضاء العام ليس مجرد أرض فارغة يمكن استغلالها متى توفرت فرصة استثمارية، وإنما هو جزء من الحياة الاجتماعية للمدينة. الساحة، والملعب، والحديقة، والمكتبة، والمركز الثقافي، ودار الشباب، وفضاء القراءة، كلها أماكن تصنع العلاقات الإنسانية وتمنح الشباب فرصة للاندماج والمشاركة واكتشاف قدراتهم.

ولهذا فإن أي تخطيط عمراني جديد ينبغي أن يضع حاجات الشباب ضمن حساباته، إلى جانب السكن والطرق والمرافق التجارية. فالمدينة الناجحة ليست التي ترتفع فيها البنايات فقط، وإنما التي ترتفع فيها أيضاً جودة الحياة.

ولا يتعلق الأمر برفض الاستثمار أو التنمية العمرانية، ولا بالدعوة إلى تجميد تطور المدينة، وإنما بالمطالبة بالتوازن. نريد مدينة تستثمر في العقار، ولكن تستثمر أيضاً في الإنسان. نريد أحياء سكنية، ولكن معها ملاعب وحدائق وفضاءات ثقافية. نريد مدارس حديثة، ولكنها أيضاً فضاءات للتربية والرياضة والإبداع. نريد مشاريع اقتصادية، ولكن نريد في المقابل مشاريع اجتماعية وثقافية تستجيب لحاجات الأجيال الجديدة.

والأهم من ذلك كله، أن يكون للشباب صوت مسموع في رسم صورة المدينة التي سيعيشون فيها غداً.

فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية تنتظر الخدمات؛ إنهم طاقة اجتماعية وثقافية ورياضية واقتصادية قادرة على المساهمة في بناء الجديدة، متى توفرت لهم الظروف والفضاءات والفرص.

لذلك، فإن فتح حوار حقيقي مع شباب الجديدة حول مستقبل مدينتهم ليس ترفاً ولا مناسبة موسمية، بل هو جزء من التخطيط المسؤول للمستقبل. والحوار الحقيقي لا يبدأ بالحديث باسم الشباب، وإنما يبدأ بالاستماع إليهم.

شبابنا اليوم بمدينة الجديدة لا يطلبون المستحيل؛ إنهم يطلبون فضاءات للحياة، وفرصاً للتعبير، ومجالاً للإبداع، ومدينة تعترف بأنهم ليسوا فقط سكاناً لها، بل شركاء في مستقبلها.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام المسؤولين والفاعلين والمنتخبين والمجتمع المدني:

حين نخطط للجديدة غداً… هل نترك فيها مكاناً لشباب اليوم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى