الواجهة

في وداع عالم النفس العربي علي زيعور..

بقلم :عبد الواحد فكيهي

في وداع عالم النفس العربي علي زيعور..
من ظهر المهرز بفاس الى بيروت..
حكايتي الفكرية مع المرحوم..
رحل الدكتور علي زيعور، المفكر وعالم النفس اللبناني، وأحد أبرز من اشتغلوا على التحليل النفسي للذات العربية، وعلى أسئلة الثقافة والرمز والتصوف واللاوعي في الفكر العربي الحديث. وقد ترك عشرات المؤلفات ومشروعا فكريا سعى من خلاله إلى بناء قراءة نفسية للإنسان العربي من داخل تاريخه وثقافته ولغته…
توفي يوم 18 سبتمبر/أيلول 2026، عن عمر ناهز 89 سنة، بعد مسار فكري وأكاديمي طويل جعله واحدا من أبرز الأسماء العربية في علم النفس والفلسفة…
ومع خبر رحيله، لم أستحضر كتبه ومشروعه الفكري فقط، بل عدت أيضا إلى علاقة شخصية وعلمية قديمة بدأت معه منذ أواخر الثمانينيات، حين كنت في بدايات تكويني الجامعي والمهني… إلى زمن البدايات، حين كنا نناقش الكتب بالقلم، ونناقش الأفكار بتؤدة.. وحين كانت المسافة بين باحث شاب ومفكر عربي معروف لا تمنع الحوار.
لم يكن علي زيعور بالنسبة إلي اسما مر في مكتبة أو مؤلفا قرأت له ثم وضعته على الرف. ارتبط اسمه بمرحلة مبكرة جدا من تكويني في علم النفس، ثم ببداية مساري المهني، وبواحدة من التجارب التي علمتني معنى أن يتحول النقد الأكاديمي إلى حوار بين جيلين.
بدأت الحكاية سنة 1987، في شعبة علم النفس بكلية الآداب ظهر المهراز بفاس، حين أنجزت بحث الإجازة حول “إشكالية الجنس في الخطاب السيكولوجي العربي”، تحت إشراف أستاذي الجليل الدكتور الغالي أحرشاو. قد اشتغلت يومها على نماذج عربية من بينها نوال السعداوي، ومصطفى حجازي، وعلي زيعور. وكان ما يشدني في مشروع زيعور طموحه الواضح إلى بناء قراءة نفسية للذات العربية من داخل تاريخها وثقافتها ورموزها وأساطيرها ولاوعيها الجمعي، دون الاكتفاء باستنساخ النماذج السيكولوجية الغربية.


بعد ذلك بسنتين، وأنا في الخامسة والعشرين من عمري، وقد تم تعييني حديثا أستاذا للفلسفة في التعليم الثانوي بالدار البيضاء، عدت إلى جزء من ذلك البحث، نقحته ووسعته، ونشرته في مجلة “دراسات عربية” اللبنانية، في عدد مايو/يونيو 1989، بعنوان “إشكالية الجنس في الخطاب السيكولوجي العربي: نموذج د. علي زيعور”. كانت الدراسة قراءة نقدية لمشروعه، لا عرضا احتفاليا به. ناقشت فيها حدود إرجاع بعض مظاهر الذات العربية إلى العامل الجنسي أو إلى قطاعات اللاوعي، وساءلت إمكان نقل مفاهيم فرويد ويونغ إلى المجال العربي دون احتراز منهجي، كما حاولت أن أفتح التحليل على التاريخ والثقافة والبنية الاجتماعية والسلطة، مستفيدا أيضا من بعض أسئلة ميشيل فوكو حول خطاب الجنس والحقيقة.
وما لم أكن أتوقعه يومها أن يقرأ علي زيعور تلك الدراسة بنفسه، وأن يتعامل معها لا باعتبارها تطاولا من باحث شاب، بل باعتبارها مناسبة للحوار. وبعد أشهر، في عدد نوفمبر 1989 من المجلة نفسها، نشر مقالا بعنوان “تبصرة في موسعة التحليل النفسي والأناسي للذات العربية”، ذكرني فيه بالاسم، وأحال إلى دراستي، وناقش اعتراضاتي بتفصيل. وما زلت أستعيد إلى اليوم عباراته التي وصف فيها البحث بأنه ممتاز، وشكر فيها النقد الذي وجهته إلى مشروعه، وأقر بأن الدراسة قدمت نقاطا نافعة تستحق الحوار.
تلك الاستجابة كانت بالنسبة إلي أكبر من مجرد رد علمي. كنت يومها في بداية الطريق، وكان بإمكان مفكر صاحب مشروع واسع أن يتجاهل دراسة كتبها شاب في الخامسة والعشرين، أو أن يختصرها في سوء فهم لمشروعه. لكنه فعل العكس: قرأ، واعترض، وشرح، وشكر، ثم فتح باب الحوار. وهذه، في تقديري، شهادة في أخلاق الباحث قبل أن تكون شهادة في أفكاره. فالمفكر الحقيقي لا يقيس قيمة السؤال بعمر صاحبه ولا بموقعه الجامعي، بل بما يحمله السؤال من جدية.
استمر التواصل بيننا بعد ذلك لسنوات. ما زلت أحتفظ ببعض رسائله، وأحتفظ أكثر بما كان فيها من تقدير وتشجيع. كانت شهادته في عملي سخية، وفكرنا في مرحلة ما في إنجاز عمل مشترك، لكن المشروع لم يكتب له أن يرى النور. ظل، مثل أشياء كثيرة في الحياة الفكرية، احتمالا جميلا لم يكتمل… غير أن ما اكتمل فعلا هو ذلك الخيط الإنساني والفكري الذي جعل اسمه، بالنسبة إلي، مرتبطا بمرحلة كاملة من التكوين والبحث والبدايات…
أما مشروع علي زيعور نفسه، فقد كان أكبر من أن يختزل في تطبيق التحليل النفسي على الإنسان العربي. كان يسعى إلى بناء ما سماه التحليل النفسي والأناسي للذات العربية.. وهومشروع يستنطق الحلم، والأسطورة، والتصوف، والثقافة الشعبية، والجسد، والجنس، واللغة، والرموز، والانجراحات التاريخية. وقد كان سؤال الذات العربية في قلب هذا كله: كيف تشكلت؟ كيف تعيش توترها بين ماضيها وحاضرها؟ كيف تعمل قطاعاتها اللاواعية؟ وكيف يمكن إخراج المكبوت والمظلم إلى دائرة الوعي والعقل؟
وقد اختلفت معه يومها في جوانب من هذا المشروع، وما زلت أرى أن بعض مفاهيمه تحتاج اليوم إلى مراجعة في ضوء تطور علم النفس والعلوم الاجتماعية. لكن قيمة المفكر لا تقاس فقط بما ظل صحيحا من أجوبته، بل أيضا بقوة الأسئلة التي تركها مفتوحة.
وعلي زيعور كان من أولئك الذين حاولوا أن يسألوا، بشجاعة، إن كان ممكنا بناء معرفة نفسية بالإنسان العربي تستفيد من العلم الانسانية في كونيتها دون أن تفقد خصوصية التاريخ والثقافة واللغة…
واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود ونصف على ذلك الحوار، يعود إلي عدد قديم من “دراسات عربية”، وصفحات صفراء تحمل اسمي واسمه، وبعض الرسائل التي نجت من الزمن. وأشعر أن قيمة تلك الأوراق لم تعد في مضمونها العلمي وحده، بل في ما
تختزنه من معنى الوفاء. فقد رحل الرجل، لكن الحوار لم يرحل… وبعض المفكرين يغادرون الحياة، ثم يكتشف المرء أنهم تركوا في
سيرته الشخصية جزءا صغيرا من سيرتهم هم أيضا…
رحم الله الدكتور علي زيعور.
أستعيده اليوم ليس بوصفه صاحب مشروع في التحليل النفسي للذات العربية فقط، بل بوصفه مفكرا قرأ نقد شاب، وأخذه بجدية، ورد عليه، ثم مد إليه يد الحوار. وربما يكون هذا، بعد كل الكتب والمفاهيم، واحدا من أجمل ما يتركه الأستاذ الحقيقي وراءه: أن يجعل من جاء بعده يشعر أن التفكير فضاء مفتوح، وأن الاختلاف لا يمنع الاحترام، وأن المعرفة، حين تكون أصيلة، تعرف كيف تتحول إلى علاقة إنسانية….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى