مجرد رأي

قديم وجديد : موسم مولاي عبد الله… بين الأمس واليوم حين كان الموسم ذاكرةً للقبيلة… وأصبح اليوم رهانًا للتنظيم والتنمية

ليس موسم مولاي عبد الله أمغار مجرد تظاهرة موسمية أو موعد للفرجة، بل هو جزء من الذاكرة الجماعية لمنطقة دكالة وللمغرب بأكمله. فمنذ قرون، ظل هذا الموسم يجمع بين البعد الروحي المرتبط بضريح الولي الصالح مولاي عبد الله أمغار، والبعد الاجتماعي الذي تلتقي فيه القبائل والعائلات، والبعد الاقتصادي الذي ينعش التجارة التقليدية، إضافة إلى البعد الثقافي الذي يتجلى في فنون التبوريدة والحلقة والشعر الشعبي والفروسية. ويُعد من أكبر المواسم الشعبية بالمملكة وأكثرها استقطابًا للزوار.

في الماضي، كان الموسم مناسبة تتجاوز حدود الاحتفال. كان فضاءً للتعارف وصلة الرحم، وموسمًا لعقد الصفقات التجارية، وتسوية الخلافات، وإحياء قيم التضامن والتكافل. كانت الخيام تمثل امتدادًا للقبيلة، وكانت التبوريدة عنوانًا للفروسية والشهامة، بينما كانت “الحلقة” مدرسة مفتوحة يتعلم فيها الناس الحكاية والشعر والحكمة.

أما اليوم، فقد تغيرت أشياء كثيرة. فالموسم لم يعد مجرد تجمع قبلي، بل أصبح حدثًا وطنيًا ضخمًا يستقطب ملايين الزوار، ويستوجب تنظيمًا محكمًا يراعي متطلبات الأمن والسلامة والخدمات والبنية التحتية. وقد شهدت النسخ الأخيرة مستجدات تنظيمية، من بينها إعادة توزيع الفضاءات، ونقل منصة السهرات الفنية لتخفيف الاكتظاظ، وتعزيز الخدمات الأمنية والصحية، مع الإبقاء على الطابع الروحي والتراثي للموسم.

غير أن هذا التطور يطرح سؤالًا مشروعًا: هل حافظ الموسم على روحه الأصيلة؟

لا شك أن مظاهر الحداثة ضرورية، لكن الحفاظ على الهوية التراثية لا يقل أهمية. فالموسم ليس حفلات غنائية فقط، ولا مجرد عروض للتبوريدة، بل هو ذاكرة حية ينبغي أن تُصان. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إيلاء اهتمام أكبر للندوات الفكرية، والمعارض التراثية، والأنشطة الموجهة للأطفال والشباب، والتعريف بتاريخ دكالة، وسيرة مولاي عبد الله أمغار، وإبراز الصناعات التقليدية والمنتوجات المحلية.

ومن الجانب الاقتصادي، يشكل الموسم فرصة حقيقية لتنشيط الحركة التجارية والسياحية، إذ تستفيد منه آلاف الأسر والتجار والحرفيين، كما يساهم في الترويج للإقليم واستقطاب الزوار من مختلف جهات المغرب وخارجه. غير أن تحقيق هذا الأثر يتطلب رؤية تنموية تجعل الموسم رافعة للاقتصاد المحلي، لا مناسبة ظرفية تنتهي بانتهاء أيامه.

إن الرهان اليوم لا يكمن في استقطاب أعداد أكبر من الزوار فحسب، بل في الارتقاء بجودة التنظيم، والمحافظة على البيئة، وتثمين التراث اللامادي، وإشراك المجتمع المدني والباحثين والمثقفين في إعطاء الموسم بعدًا علميًا وثقافيًا يوازي إشعاعه الشعبي

إن هذا التطور يطرح في الوقت نفسه سؤالًا جوهريًا حول كيفية المحافظة على روح الموسم وهويته الأصيلة في ظل مظاهر العصرنة المتسارعة. فنجاح الموسم لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الحضور الجماهيري أو بعدد السهرات الفنية، بل بقدرته على صون التراث اللامادي الذي يشكل جوهره الحقيقي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز حضوره الثقافي والفكري من خلال تنظيم ندوات ولقاءات علمية تعرف بتاريخ المنطقة وسيرة الولي الصالح مولاي عبد الله أمغار، وإقامة معارض للصناعات التقليدية والمنتوجات المجالية، وإشراك الأطفال والشباب في ورشات تربوية تعرفهم بتراثهم المحلي، حتى يظل هذا الموروث حيًا في وجدان الأجيال الصاعدة..

فموسم مولاي عبد الله ليس ملكًا لجيل دون آخر، بل هو إرث حضاري تتوارثه الأجيال. وإذا كان الأمس قد صنع مجده بالأصالة، فإن اليوم مطالب بأن يحافظ على تلك الأصالة، ويضيف إليها حسن التنظيم والرؤية التنموية، حتى يظل هذا الموسم شاهدًا على عراقة دكالة، وعنوانًا من عناوين الهوية المغربية، وجسرًا يربط الماضي بالحاضر والمستقبل و النجاح الحقيقي لا يقاس بحجم الحشود فقط، بل بمدى قدرتنا على صون التراث اللامادي، وحماية البيئة، وإشراك فعاليات المجتمع المدني والباحثين، ليظل الموسم عنواناً شامخاً للهوية المغربية، وجسراً متيناً يربط أصالة الماضي بآفاق المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى